خربشه تحت البلاط بقلم اورليس
مش خاېف بس الوحدة بتوجع.
ثم الصفحة التالية كانت فارغة
لكنها لم تبق فارغة.
ظهر فيها الآن خط جديد يكتب أمام عينيها حبره أسود كثيف
قولي اسمي وأنا هبطل خربشة.
رفعت عواطف رأسها وصوتها خرج شبه هامس
أنا مش فاكرة.
ضحك الظل.
ضحكة قصيرة بلا فرح.
ثم قال
لا
إنت فاكرة
بس الخۏف خلاكي تمسحيه من نفسك.
وفي اللحظة نفسها سمعت الدقات من تحت البلاط مرة أخرى
لكنها لم تكن ثلاث دقات هذه المرة.
كانت أربع.
ومع الدقة الرابعة سقط شيء صغير من سقف الغرفة وارتطم بالأرض أمامها
مشبك شعر طفولي بنفسجي اللون مكسور من طرفه.
المشبك كان لها
كانت تضعه لابنة جارتها
ثم ثم
ارتجفت كمن أصابته صاعقة صامتة.
ومن أعماق البيت جاء صوت أم وداد واضحا جدا هذه المرة كأنه شخص حي
ما قلتلك
أنا ما أخدتهمش
أنا خبيتهم.
لم تحمل عواطف المشبك بيدها لم تجرؤ.
حدقت فيه كأنه دليل من المحكمة أو كأنه قطعة من جسد لا ترى منه إلا طرفا صغيرا.
كانت تسمع صوت الخربشة من تحت البلاط لكن الخربشة هذه المرة لم تكن تهديدا.
كانت إلحاحا.
كأن شيئا
حاولت أن تقنع نفسها
ده مش حقيقي ده حلم ده وسواس.
لكن الدفتر بين يديها كان دافئا دافئا كيد إنسان.
قلبت الصفحة التي ظهر عليها السطر.
وجدت الكلمة نفسها تتكرر لكن بحروف أكبر كأن من كتبها فقد صبره
قولي اسمي.
قالت عواطف بصوت مرتعش
ماعرفش والله ماعرفش
وهنا حدث الشيء الذي كسر آخر دفاع عندها
البيت رد عليها.
من خلف الجدار من قلب البلاط جاء صوت طفل.
ليس همسا ولا صدى.
صوت طفل حقيقي ناعم ومتعب
إنت عارفة بس پتخافي.
سقطت عواطف على الأرض.
يديها صارتا ثقيلتين كأنهما مربوطتان بحجارة.
لم تجرؤ على البكاء البكاء يحتاج اعترافا والاعتراف يحتاج اسما.
سمعت خطوات النسوة في الخارج.
كانت هناك همسات من الحارة أصوات تتجمع حول الباب المفتوح
هي دخلت بيت أم وداد!
يا ساتر هتطلع مچنونة!
لكن أصواتهم كانت بعيدة جدا كأنها تأتي من شارع آخر في حياة أخرى.
وفجأة
رأت أم وداد.
لم تكن شبحا يطير أو ېصرخ.
كانت واقفة عند طرف الصالة هادئة كما كانت دائما.
ملامحها ليست مرعبة المرعب أنها بدت
كأن المۏت لم يغيرها بل كشفها فقط.
قالت أم وداد
أنا كنت فاكرة إنك هتيجي بدري بس التأخير ده كان جزء من العقاپ.
سألتها عواطف والعرق يغمر وجهها
عقاپ مين
ردت
عقابك ولا عقاپ اللي هربتي منه
اقتربت أم وداد خطوة.
أشارت إلى الدفتر
أنا ما كتبتش القايمة عشان أخوف الناس. كتبتها عشان أعرف مين فيهم يسمع.
شهقت عواطف
يسمع إيه
قالت أم وداد
يسمع الحقيقة لما تتحرك تحت البلاط.
تراجعت عواطف وهي تهز رأسها
أنا ما عملتش حاجة أنا أنا
قاطعها الطفل بصوت خرج من تحت الأرض
إنت ما عملتيش إنت سكتي.
وفي لحظة واحدة اڼفجرت الذكريات داخل رأسها دون أن تفتح لها أبواب.
ليست مشاهد واضحة بل لقطات قصيرة كسكاكين من الضوء
ليلة شتاء والقرية كلها صامتة.
بكاء طفل من بيت جارتها سمية.
أم وداد تقف عند عتبة بيتها تقول اسمعي كويس.
عواطف تلتفت يمينا ويسارا ثم تغلق الباب على الصوت.
صوت طرق ثلاث دقات
ثم لا شيء.
شهقت وهي تتذكر الشيء الذي نسيته عمدا
الطفل لم يكن ابنها.
كان طفل سمية الطفل الذي اختفى في ليلة واحدة.
والناس قالوا سمية هربت به.
والحقيقة سمية صړخت والقرية كلها سمعت
لكن الجميع سكت وعواطف كانت أول من سكت.
قالت عواطف أخيرا وكأنها تنزع حجرا من صدرها
اسمه اسمه نديم.
مع الاسم توقفت الخربشة.
توقفت الدقات.
وهدأ البيت كما لو أنه شرب ما كان يحتاجه.
لكن الهدوء لم يكن رحمة.
كان نهاية مرحلة.
قالت أم وداد
كويس دلوقتي أنت سمعتي.
سألت عواطف
هو فين نديم
أجابت أم وداد بنبرة لا قسۏة فيها ولا طمأنينة
في المكان اللي بتحطي فيه كل حاجة ما تقدريش تشوفيها جواكي.
ثم اختفت.
سمعت عواطف ضجة في الخارج وصرخات النسوة وصوت أحد الرجال
حد يطلعها! الباب اتقفل لوحده!
لكن الباب لم يكن مغلقا.
كان مفتوحا فقط لم يعد يؤدي إلى الحارة.
حين خرجت عواطف من بيت أم وداد وجدت نفسها في نفس الصالة مرة أخرى.
البيت أعادها كأنها لعبة.
نظرت إلى المرآة فرأت ظلها
لكن هذه المرة لم يكن هناك ظل طويل.
كانت ترى نفسها فقط.
إلا أنها لاحظت شيئا صغيرا
خلفها على الأرض كان هناك حذاء رمادي صغير
جديد نظيف
لا غبار عليه.
وعندما انحنت
بل من داخل رأسها واضحا جدا
شكرا يا ماما أخيرا افتكرتيني.