زار زوجته المتوفيه
في صباح بدا خاطئا منذ الخطوة الأولى زار مليونير قبر زوجته ليجد طفلا نائما فوقه وما اكتشفه كان فوق الاحتمال
شعر غابرييل سانتورو بذلك فور عبوره بوابات مقبرة سان رافائيل في جنوب مدينة مكسيكو كان الهواء أشد حدة من المعتاد والمقبرةالتي تكون عادة ركنا هادئا في مدينة صاخبةبدت وكأنها تحبس أنفاسها أغصان السرو تخدش السماء والحصى تحت القدمين ظل رطبا وحتى الهواء نفسه كان مشبعا بإحساس غامض كأن سرا يطفو فيه
تقدم غابرييل بانضباطه المعهود معطف داكن يدان في الجيبين ووجه جامد لا يشي بشيء كان يسلك الطريق ذاته منذ خمس سنواتيصل يقف عند حجر القبر الأبيض يشعل شمعة ثم يغادر دون أن ينطق بكلمة
كانت كاميلا ميندوزا قد رحلت منذ نصف عقد ومنذ ذلك الحين حول غابرييل الحزن إلى طقس صامت لم يبك لم يتحدث عنها كان يتعامل مع اسمها ككدمة لا يلمسها لأن الألم وحده يثبت أنها ما زالت حقيقية
لكن في ذلك اليوم لم يصل حتى إلى القبر
كانت هناك هيئة صغيرة منكمشة فوق الرخامصبي ملفوف ببطانية ممزقة ومتسخة يرتجف بعنف حتى إن كتفيه كانتا تتحركان مع الريح قدماه حافيتان شفاهه متشققة كما لو كانت شريان حياتهصورة باهتة
قفز نبض غابرييل حين تعرف إلى الوجه في الصورة
كاميلاتبتسمراكعةوذراعاها تطوقان الصبي
لثانية واحدة عجز عقل غابرييل عن التوفيق بين المشهد والواقع انتقلت عيناه من الصورة إلى النقش على الحجر كاميلا ميندوزا 19872020 الاسم نفسه المكان نفسه طفل لا ينبغي أن يكون جزءا من هذه القصة
تقدم خطوة قرقع الحصى
فتح الصبي عينيه ببطءداكنتين منهكتين أكبر من سنه لم يفر اكتفى بأن ضم الصورة إلى صدره وهمس بصوت مبحوح بالكاد يسمع
آسف يا أمي
تجمد كل شيء داخل غابرييل
ماذا قلت سأل بصوت مشدود
ابتلع الصبي ريقه وارتجفت شفتاه
آسف يا أمي لم يكن ينبغي أن أنام هنا
انحنى غابرييل بحذر كأن أي حركة مفاجئة قد تحطم شيئا هشا
أنت عند القبر الخطأ قال محاولا ضبط نبرته
لم يجادل الصبي همس باسمه وكأن اللفظ يكلفه كثيرا
ماتياس
مد غابرييل يده نحو الصورة تردد ماتياس ثم سلمها حدق غابرييل فيهاابتسامة كاميلا أكثر لينا تلك التي نادرا ما رآها في أواخر أيامهاوذراعاها تطوقان هذا الطفل كما لو كان وطنه
من أين حصلت على هذه سأل غابرييل بحدة
قابل ماتياس نظرته بثبات أقلقه
هي التي أعطتني إياها
كاميلا ماتت قال غابرييل بقسوة كان دافعها الخوف أكثر من الغضب
لم يرمش ماتياس
كانت تأتي لرؤيتي
لرؤيتك
في دار الأيتام
وقعت الكلمة على غابرييل كإغلاق باب بعنف خلال سنوات زواجهما لم تذكر كاميلا دار أيتام قط لم تتحدث عن تطوع أو تبن أو أطفالأي شيء يوحي بحياة ثانية كاملة وربما كانت قد حاولتبهدوءلكن غابرييل كان بعيدا حتى وهو حاضر
كان ماتياس يرتجف يداه محمرتان ومن دون تفكير خلع غابرييل معطفه ولفه حول كتفي الصبي تصلب ماتياس أمام الدفء كأن اللطف أمر غريب وخطر
كم مكثت هنا سأل غابرييل
هز ماتياس كتفيه
لا أدري
وفي تلك الهزة أحس غابرييل بالحقيقة تتشكل كاميلا أخفت عنه أمرا عظيماوذاك السر يرتجف الآن أمام قبرها
كانت الرحلة بالسيارة صامتة لكنها لم تكن هادئة ظل غابرييل يراقب المرآة الخلفية جلس ماتياس صغيرا في المقعد الخلفي تبتلعه المقاعد الجلدية والحرارة وما زال يرتعش كأن البرد ليس ما يسكنه وحده
كيف وصلت إلى هنا سأل غابرييل أخيرا
مشيت
من أين
من دار الأيتام
شد غابرييل فكيه
وكيف عرفت أن كاميلا مدفونة هنا
عصر ماتياس الصورة بين يديه
تبعتها مرة رأيتها تدخل وبعدها رأيت اسمها على الحجر
أوقف غابرييل السيارة أمام فندق هادئلم يكن مستعدا لإدخال غريب إلى بيته قبل أن يفهم ما الذي يواجهه في الغرفة طوى ماتياس جسده في مقعد جانبي
راقبه غابرييل وقال غدا نذهب إلى دار الأيتام أريد الحقيقةعنك وعن كاميلا
أومأ ماتياس وهو يعانق الصورة كما لو كانت آخر ملاذ آمن لديه
عند الشروق وقفا أمام بوابة دار سان بينيتوطوب متقشر أراجيح متعبة وحديقة استسلمت
أمسكت راهبة بكتفي ماتياس وقد غمر الارتياح وجهها
ماتياس الحمد للهأين كنت
نظر ماتياس إلى غابرييل كأن الإذن أمر مهم
عرف غابرييل بنفسه أحتاج إلى التحدث مع المسؤولة
قادوهما إلى مكتب صغير تفوح منه رائحة ورق رطب وأمل قديم جلست خلف مكتب مهترئ امرأة شعرها رمادي وعيناها حادتان منهكتان
لم تبد متفاجئة
السيد سانتورو قالت بهدوء كنت أتساءل متى ستأتي
قطب غابرييل ماذا تعنين
زفرت وكأنها تحبس هذا الكلام منذ سنوات
كانت زوجتك تأتي إلى هنا كثيرا
هبط معدة غابرييل
لتفعل ماذا
كانت تساعد تقرأ للأطفال تجلب مستلزمات توقفت لحظة لكن أكثر من ذلك كانت تأتي من أجل ماتياس
ابتلع غابرييل ريقه لماذا هو
ترددت ثم قالتها بلا مواربة
لأنها كانت تريد تبنيه
شعر غابرييل بأن الغرفة تميل
لم تخبرني
لم
ربما حاولت وربما لم تكن تسمع
نظر