اريد ان اتحقق من رصيدي
المحتويات
على التفكير شعر بسخونة تصعد إلى وجهه وبشيء يشبه الانقباض في صدره
تمتم أقرب إلى نفسه
كيف كيف يمكن لامرأة
لم يكمل الجملة
رفعت إيفلين رأسها نحوه والتفتت بجسدها النحيل ببطء حتى أصبحت مواجهته كاملة لم يكن في نظرتها أي شماتة ولا رغبة في الإذلال كان فيها شيء آخر شيء يشبه الحكمة القديمة
قالت بصوت واضح يسمعه من حولها
أترغب في أن تعرف كيف يا بني
تردد ريتشارد لحظة ثم أومأ دون وعي
تنفست إيفلين بعمق وكأنها تستدعي سنوات بعيدة
قالت
في خمسينيات القرن الماضي كنت أنا وزوجي نعمل في الزراعة بنظام المشاركة كنا ننهض قبل الفجر نعمل حتى تغيب الشمس ونعود بأجساد متعبة وأيد خشنة لم يكن لدينا مال ولا علاقات ولا امتيازات
ساد صمت جديد لكن هذه المرة كان مختلفا صمت استماع
تابعت
كنا نوفر كل قرش لم نكن نشتري إلا الضروري في عام 1962 اشترينا قطعة أرض صغيرة خارج تولسا قال الناس إنها بلا قيمة وإننا أضعنا ما ادخرناه لكن زوجي كان يقول دائما إن الأرض لا تخون من يصبر عليها
تحركت شفاه بعض الواقفين دون صوت كانت القصة تشدهم دون أن يشعروا
قالت إيفلين
مرت السنوات لم يتغير شيء في البداية ثم في السبعينيات جاء منقبو النفط قالوا إن تحت تلك الأرض احتياطيا ضخما لم يلتفت إليه أحد فجأة صار ما كان يسخر منه مصدر رزق لم نتخيله
توقفت لحظة ثم أضافت
لم ننتقل إلى قصر لم نغير نمط حياتنا تركنا المال حيث هو ينمو بصمت ربيت أولادي أرسلتهم إلى الجامعات وساعدنا مجتمعنا بقدر ما استطعنا
نظرت إلى يديها ثم رفعت بصرها من جديد
قالت بهدوء
المال يا بني لا يغير الإنسان هو فقط يكشفه
لم
أخذت إيفلين إيصالها من سارة وربتت على يدها برفق ثم أدارت جسدها ببطء متجهة نحو الباب
وعندما مرت بجانب ريتشارد توقفت للحظة قصيرة
قالت بصوت منخفض لكنه مسموع
لا تحكم على كتاب من غلافه يا بني بعض أغنى الناس هم الذين لا يحتاجون إلى إثبات ذلك
ثم واصلت سيرها وصوت عصاها يطرق أرضية الرخام بإيقاع ثابت
ظل البهو صامتا لثوان طويلة بعد خروجها كأن المكان كله يحتاج وقتا ليستوعب ما حدث
لم يتباه ريتشارد في ذلك البنك بعد ذلك اليوم
وانتشر الخبر لا بضجيج بل بهدوء يشبه هدوء صاحبة القصة نفسها صارت إيفلين طومسون واحدة من أكبر المتبرعين سرا تمول منحا دراسية وتدعم رعاية كبار السن وتعيد الحياة لمؤسسات خدمية كادت تنسى
ومع ذلك لم يتغير شيء في مظهرها
كانت لا تزال تقود سيارتها القديمة وترتدي فساتينها الزهرية وتأتي كل يوم جمعة فقط لتتحقق من رصيدها
لأن الثروة الحقيقية لا تقاس بما يظهر للناس بل بما يبقى في القلب
خرجت إيفلين من البنك كما دخلته ببطء ووقار لا تلتفت خلفها ولا تنتظر نظرات الإعجاب التي بدأت تتشكل في العيون بعد أن زال الذهول كان الهواء خارج المبنى أبرد قليلا ونسمة خفيفة مرت على وجهها المجعد فحركت خصلة فضية أفلتت من دبوسها توقفت لحظة عند أسفل الدرج الرخامي ثبتت قبضتها على العصا ثم واصلت السير نحو سيارتها القديمة المركونة في الصف الأخير
في الداخل ظل البهو ساكنا على غير عادته لم يعد أحد يتقدم نحو الشباك فورا كأن الجميع يحتاج إلى ثوان
تحرك أحد الواقفين أخيرا ثم آخر وعاد الضجيج تدريجيا لكنه لم يكن الضجيج نفسه كان أقل حدة أكثر ترددا وكأن كلمات إيفلين تركت أثرا خفيا في المكان
أما ريتشارد فظل واقفا حيث هو لم يعد يشعر بثقل البدلة على كتفيه كما كان قبل دقائق بل بشيء أثقل في صدره ترددت في ذهنه جملته الساخرة نبرته المتعالية ضحكته القصيرة لم تكن مجرد زلة لسان بل انعكاسا لطريقة اعتاد أن يرى بها الناس
تقدم خطوة إلى الأمام ثم توقف نظر إلى الشباك إلى سارة ثم إلى الأرضية الرخامية التي انعكست عليها صورته باهتة لم يتفوه بكلمة أدار جسده ببطء واتجه نحو المخرج
في الخارج مر بجانب إيفلين دون أن يجرؤ على النظر إليها كانت قد وصلت إلى سيارتها تفتح الباب بتمهل شعر برغبة في الاعتذار في قول أي شيء يخفف وطأة ما حدث لكن الكلمات خانته اكتفى بأن خفض رأسه ومضى
مرت الأيام
لم يتغير روتين إيفلين استيقاظ مبكر فطور بسيط جولة قصيرة في الحي مكالمة مع أحد أبنائها أو أحفادها ثم قيلولة خفيفة كانت حياتها هادئة إلى حد أن من يراها لا يتخيل أبدا ما تحمله دفاتر البنك من أرقام بجانب اسمها
لكن ما تغير كان نظرة الآخرين
انتشر الخبر لا كفضيحة بل كحكاية تروى بإعجاب موظفو البنك صاروا يحيونها باحترام خاص لا مبالغ فيه لكنه صادق بعض الزبائن تعرفوا عليها وبعضهم اكتفى بالنظر من بعيد ومع ذلك لم تطلب إيفلين معاملة مميزة ولم تسمح أن تتحول إلى رمز يستعرض
كانت تأتي كل يوم
ومع مرور الوقت بدأت آثار أخرى تظهر آثار لم تعلن في الصحف ولم تنسب إلى اسمها علنا مدرسة قديمة في حي متواضع حصلت فجأة على تمويل لترميم الفصول كنيسة تاريخية كادت تغلق أبوابها استعادت نشاطها دار رعاية للمسنين تحسنت خدماتها بهدوء
لم تكن إيفلين تحضر حفلات التبرع ولم تقف أمام الكاميرات كانت توقع الأوراق باسم مؤسسة تحمل اسم زوجها الراحل ثم تعود إلى بيتها الصغير كما لو أنها أنهت مهمة يومية عادية
أما ريتشارد فلم يعد كما كان
في الأسابيع التالية لاحظ زملاؤه تغيرا خفيا في سلوكه صوته خف ضحكته العالية اختفت ونظرته للناس صارت أقل حدة لم يتحول فجأة إلى رجل آخر لكنه بدأ يرى ما لم يكن يراه صار ينتبه إلى من يقفون في الطوابير إلى
العاملين بصمت إلى الوجوه التي لا تحمل علامات الثراء لكنها تحمل قصصا كاملة
وفي أحد أيام الجمعة عاد إلى البنك
وقف في الطابور هذه المرة دون تذمر لم تكن إيفلين هناك بعد شعر بشيء من الارتياح وشيء من الخيبة في الوقت نفسه وعندما وصل إلى الشباك أنهى معاملته بصمت ثم التفت نحو المخرج
وقبل أن يغادر رآها
كانت تدخل من الباب الزجاجي بالعصا نفسها والفستان الزهري نفسه توقفت عيناه عليها ثم تقدم خطوة مترددا عندما اقترب منها توقفت هي بدورها
نظر إليها ثم قال بصوت منخفض
سيدتي أردت فقط أن أقول أنا آسف
لم تجب فورا نظرت إليه نظرة قصيرة ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تحمل حكما ولا عتابا
قالت بهدوء
التعلم لا يأتي متأخرا يا بني ما دام القلب ما زال مفتوحا
ثم واصلت طريقها نحو الشباك
ظل
متابعة القراءة