كان اخي يعطيني الشاي كل ليله
ثم غادر.
وبدلا من النوم تبعته.
الباب الذي لم يفتح أبدا
لسنوات منعني أرجون من دخول غرفة دراسة والدتنا القديمة غرفة صغيرة مقفلة في نهاية الممر.
أمر مؤلم جدا كان يقول.
سأعتني بأغراضها.
تلك الليلة رأيت ضوءا يتسرب من تحت ذلك الباب.
المفتاح كان بالفعل في القفل.
دفعته ببطء فقط لألقي نظرة.
ما رأيته لم يكن منطقيا في البداية.
كرسي في وسط الغرفة. حامل محلول وريدي. عشرات الزجاجات الطبية الفارغة.
وعلى المكتب ملف سميك مكتوب عليه اسمي.
الملف
كان الملف مليئا بالملاحظات كلها بخط يد أخي.
مخططات طبية سجلات ضربات القلب نتائج تحاليل الدم.
لم تكن خاصة بأمي.
كانت تخصني.
قفزت الكلمات أمامي
الاستقرار غير مكتمل.
المقاومة للذاكرة تزداد.
ثم رأيت الصور.
صوري نائمة شاحبة أنابيب في ذراعي.
اشتد صدري.
ثم صرخت الأرض خلفي.
الانكشاف
لماذا أنت هنا
صوته هادئ. هادئ جدا.
وقف أرجون
لم تكن عيناه غاضبة.
كانت حزينة.
لم يكن من المفترض أن تري هذا قال بهدوء.
ماذا كنت تفعل بي سألت.
تنهد.
كنت تسوءين بعد وفاة أمنا. لم تكوني تأكلين لم تنامي. كان علي مساعدتك.
بإعطائي المخدر
لم يجب.
الأكاذيب تتكشف
أنت لا تتذكرين كل شيء قال ببطء.
حادث السيارة. المستشفى.
ما التشخيص طالبت.
كنت في السيارة معها قال. ضربت رأسك. تعيشين التجربة مرة أخرى. كل مرة تتذكرين تدمرين نفسك.
هززت رأسي.
أنت تكذب.
نظر إلي بشفقة.
لقد توسلت إلي لأساعدك على النسيان.
التسجيلات
ضغط على جهاز تسجيل قديم.
سمعت صوتي.
أرجون إذا كنت تسمع هذا فهذا يعني أنني تذكرت مرة أخرى. أرجوك ساعدني على النسيان. لا أستطيع النجاة من هذا.
سقطت على الأرض.
لم أكن أتذكر قول ذلك
بينما كنت أستمع إلى التسجيلات ظهر مقطع لم أسمعه من قبل.
صوتي كان مبحوحا مكسورا
أنا
أنا شفت العربية جاية بس اتلخبطت.
لو كنت فرملت ثانية بدري كانت ماما عايشة.
في تلك اللحظة ضربتني الذكرى كاملة.
الطريق المظلم.
المطر الخفيف.
يد أمي وهي تمسك بالتابلوه.
وصوت الاصطدام.
لم تكن أمي وحدها من مات في تلك الليلة.
جزء مني مات معها.
أنا كنت ألوم نفسي.
لم أكن قادرة أعيش مع الذنب.
كل مرة أتذكر كنت أختنق.
كل مرة أغمض عيني أراها تنظر إلي قبل الاصطدام مباشرة.
عندها فقط فهمت لماذا توسلت لأرجون أن يجعلني أنسى.
لم يكن يريد التحكم بي
كان يحاول إنقاذ ما تبقى مني
لم يكن يؤذيني.
كان يمحو ذاكرتي
نظرت إليه وقلت بصوت مرتجف
أنا طلبت منك ده صح
أومأ برأسه ببطء.
كنت بتنهاري كل مرة. كنت تصحي تصرخي. كنت تضربي راسك في الحيطة وتقولي إنك قاتلة.
جلس على الأرض أمامي.
أنا خفت أفقدك زي ما فقدت أمي.
سكت طويلا ثم قلت
بس اللي عملته كان غلط. حتى لو بنيته
دمعت عيناه.
عارف.
في تلك الليلة لم أهرب لأنني أكرهه.
هربت لأنني كنت بحاجة أتنفس بعيدا عنه.
بحاجة أتعافى بدون أدوية بدون محو بدون إنكار.
بعد شهور من العلاج أرسلت له رسالة واحدة فقط
أنا سامحتك.
وسامحت نفسي.
بس محتاجة أكمل شفاءي لوحدي.
لم يرد.
ولم أحتج أن يرد
بعد عام
أعيش الآن في شقة صغيرة بعيدا عن ذلك المنزل.
أعيد بناء حياتي علاج أدوية أصدقاء يعرفونني كما أنا الآن.
أحتفظ بالملف مقفولا.
لأن النسيان تعلمت نوع من الموت أيضا.
الخاتمة آخر كوب شاي
لم أعد أستطيع شرب الشاي.
كل رشفة تشبه ذكرى تحاول الاختفاء.
وفي كل ليلة عند التاسعة ما زلت أسمع صوت غليان الماء في عقلي اليوم ما زلت أتذكر الحادث.
لكن الذنب لم يعد يقتلني.
تعلمت أن الحوادث لا تختار مذنبا
وأن الحب أحيانا يخطئ الطريق.
لا أكره أرجون.
ولا أخافه.
لكنني اخترت الحياة.
واخترت الذاكرة
لأن النسيان
بل يؤجل الألم فقط.
وكلما سمعت صوت غليان الماء
أتذكر أن بعض الجروح لا تحتاج أن تمحى
بل أن تفهم