وضعت ملابسها بقلم نرمين عادل همام
سألها
فلوس دهب
قالت ببطء مقصود
لا ملابس خاصة.
زرعت الشك ثم تركته ينمو.
وفي غيابي فتش أبي غرفتي.
ووجد الملابس تحت السرير حيث وضعتها هي.
حين واجهها تظاهرت بالبكاء ثم زادت الطين بلة
قلت لك عينه زايغة.
وهنا انهار أبي.
في اليوم التالي عدت من الجامعة.
فتحت الباب
فانهالوا علي ضربا.
أبي ضربني بلا سؤال بلا تفسير.
كنت أصرخ أتوسل
افهمني! بس افهمني!
لكنه لم يسمع.
ثم صرخ في وجهي
إنت مش ابني! فاهم!
سحب مني كل شيء
المحفظة البطاقات الهاتف السيارة
حتى ثوبي .
قال ببرود قاتل
إخلعهم. أنا اللي سترتك.
وفتح الباب في عز الظهيرة
اطلع برا.
خرجت
لا أعرف إلى أين.
لا إثبات لا مال لا كرامة.
لم أبك من الضرب
بكيت من الاتهام.
من الظلم.
كنت في الثامنة عشرة.
أنقذني الله بصديق مر صدفة.
أخذني إلى بيته ثم نصحني أبوه
روح لجدك. ده أبو أبوك.
ذهبت.
خلعت ما أعطوني إياه ودخلت مجلس جدي .
ساد
قلت بصوت مكسور
ده اللي ابنه عايزه اتهمني ظلم.
رويت كل شيء.
وقف جدي اتصل بأبي وصوته يرتجف من الغضب
تيجيلي دلوقتي وما تتأخرش.
وهنا
بدأ فصل جديد من الحكاية.
كان جدي واقفا في منتصف المجلس صوته ثابت لكنه محمل بشيء ثقيل شيء يشبه الفقد قبل أن يحدث.
رفع الهاتف إلى أذنه وقال لأبي بلهجة لا تحتمل نقاشا
اقعد مكانك وماتتحركش إلا وإنت عندي.
رد أبي بقلق مفاجئ
فيه إيه خير
تنفس جدي بعمق ثم قال الجملة التي كسرت كل شيء
ابنك قضاء ربنا. حصل له أمر من أمور الدنيا. إلحق لو لسه فيه إلحق.
ساد صمت ثقيل على الخط.
ثم جاء صوت أبي مرتبكا
مين ابني مين
قال جدي ببطء قاس
قاسم. هو عندك غيره
وأغلق الهاتف.
لم أكن حاضرا تلك اللحظة.
كل ما أعرفه جاءني لاحقا من أختي.
قالت لي إن أمي كانت واقفة تسمع كل كلمة.
قالت إنهم ظنوا حقا أنني مت.
قالت إن الرعب ملأ البيت.
أغلقت أمي الهاتف والتفتت
سألتها بصوت مخنوق
إيه اللي حصل
ردت زوجة أبي ببرود قاتل
قاسم مات.
صرخت أمي وكأن عقلها انشطر نصفين.
اتصلت بأمها وهي تبكي
يا يمه قاسم مات!
جاءها صوت أمها قاسيا صادقا
دلوقتي بتعيطي وإنت اللي ظلمتيه
انهارت زوجة أبي واعترفت
أنا ظلمته أنا اتهمته ظلم.
قالت أمها بمرارة
حسبي الله ونعم الوكيل. لو كلامك صح ده ذنب ما يتغفرش.
وفي تلك الأثناء
كان أبي في طريقه إلينا.
حين دخل المجلس كنت جالسا بين جدي وأعمامي.
رفع أبي رأسه
وحين رآني تجمد.
قال بصوت مبحوح
قاسم
رد جدي بصرامة
اذكر ربنا ولا كلمة.
ثم قالها أمام الجميع بلهجة جنازة
إحنا جايبينك نعزيك.
ارتبك أبي
أعزيني في مين
قال جدي وهو يشير إلي بعينيه
في قاسم اللي طردته بكدبة من مراتك.
التفت للحاضرين
عزوه.
بدأ الناس يقولون
عظم الله أجرك.
ثم أكمل جدي بصوت مكسور
والعزا التاني عزوني أنا. فهد مات.
صاح أبي
إزاي!
قال جدي
زي ما موت ابنك. من النهارده إنت ميت بالنسبة لي.
في تلك اللحظة دخلت جدتي تحاول إيقاف الانهيار
صلوا على النبي.
ثم أعطت الهاتف لأبي
مراتك عالخط.
جاء صوتها باكيا منهارا
أنا عايزة أشوف قاسم قبل ما يدفنوه أطلب السماح.
قال أبي وهو لا يزال في صدمة
تسمحي على إيه ده قاعد قدامي.
صرخت
أنا كذبت أنا اللي حطيت الهدوم في أوضته.
مددت يدي أخذت الهاتف وقلت بصوت خرج من قاع روحي
ربنا لا يبيحك ولا يسامحك. الحساب بيني وبينك عند ربنا.
سقط أبي على ركبتيه.
صرخ جدي فيه
ما خفتش ربنا ما سمعتش من ابنك!
بكى أبي وقال بجنون
مراتي طلقتها.
وفعل.
أخذ بناته وعاد بهم إلى بيت جدي.
وبقيت أنا.
تعلمت بعدها درسا لا ينسى
أن من يطارد الحرام يبتلى به في بيته.
وأن الظلم مهما طال له لحظة انكشاف.
أبي اعترف لي بكل شيء بعد سنوات.
سامحته.
أما هي
فلم أسامحها ولن أفعل.
وأمي
رحلت بعيدا إلى بلد أوروبي.
لم أكرهها يوما.
أتمنى فقط أن يجمعني الله بها يوما.
هذه حكايتي.
وهذا جرحي.
وها أنا أحكي
لعل أحدا يتعلم قبل أن يظلم.
بقلمي نرمين عادل همام
تمت