اشتريت منزل والدتي الراحله
هذا بيتنا في النهاية.
وافقت وقالت بنبرة ساخرة كالعادة إنها ستأتي بشرط أن أعد شيئا لذيذا.
جاءت متأخرة نصف ساعة. دخلت وهي ترتدي معطفا قديما كانت تستعيره من خزانة أمنا منذ أيام المدرسة الثانوية ونظارة كبيرة تخفي نصف ملامحها. نظرت حولها ببرود وقالت
يبدو أنك تحاولين تقليد برامج الترميم الشهيرة.
أجبتها بهدوء
لم أفعل الكثير بعد فقط أصلح ما يمكن أن يشكل خطرا.
نظرت إلي بنظرة متعالية قصيرة ثم جلست. السكون بيننا كان ثقيلا يشبه صمت المستشفيات بعد منتصف الليل. وضعت أمامها كوب شاي البرغموت الذي كانت أمي تحبه والذي كنت أعده لها في ليالي الشتاء حين كان المرض ينهكها. استنشقت رائحته فشعرت كأن ذكرياتها تملأ الغرفة.
ثم وضعت الملف أمام كيتلين ببطء.
رفعت حاجبها وسألت بنبرة جافة
ما هذا
قلت وأنا ألاحظ ارتجافة خفيفة في أصابعي
أنت من يجب أن تخبريني.
مدت يدها بلامبالاة كأنها تتوقع ورقة عابرة أو فاتورة تطلب رأيها فيها. لكنها توقفت عند الصفحة الأولى.
تبدلت ملامحها فجأة انكمشت عيناها وارتجف فكها وأخذت أنفاسها تتلاحق رغم محاولتها إخفاء ذلك. رفعت رأسها إلي وفي عينيها خوف واتهام معا.
قالت بصوت تحاول أن تجعله ثابتا
أنت فتشت. كنت أعلم أنك لن تتحملي فكرة أن تترك أمنا كل شيء لي.
لم أجب.
كان الصمت هذه المرة أقوى من أي كلمة.
نظرت إليها دون غيظ بل بحزن حزن على ما كنا وما أصبحنا وعلى أختي التي ضاعت وسط شعور دائم بأنها الأقل حظا والأقل محبة.
لكنها لم تتحمل صمتي. ضربت الطاولة بيدها وقالت بصوت حاد
أنت دائما هكذا! دائما! تظنين نفسك أفضل!
شعرت بغضب بارد يجري في داخلي لكنه لم يخرج إلا بشكل كلمات ثابتة
لم أكذب عليك يوما يا كيتلين.
نهضت بعنف فسقط كرسيها خلفها. كانت ترتجف رغم أنها تحاول جعل صوتها سلاحا
أمضيت حياتي كلها في ظلك! كنت تأخذين النصيب الأكبر من أمنا وأنا أحصل على الفتات!
نظرت إليها طويلا لأول مرة لم أر الخيانة بل الطفلة التي لم تعرف كيف تطلب الحب.
فقلت
كان يمكنك أن تكوني معها في أيامها الأخيرة لكنها كانت أيام صعبة ولم تقدري على مواجهتها. هذا ليس ذنبي. لكن سرقة وصيتها هذا اختيارك أنت.
احمر وجهها وقالت بحدة
لن أستمع إلى هذا.
سحبت الوصية طويتها ودفعتها إليها.
ثم قلت بصوت هادئ حاد
لكن المحكمة ستستمع جيدا يا كيتلين.
تراجعت خطواتها نحو الباب متعثرة ثم خرجت وصفقت الباب خلفها بقوة جعلت البيت يرتجف.
في اليوم التالي بدأت الإجراءات القانونية.
جمد القاضي كل الممتلكات وأعاد الأمور إلى ما تقتضيه الوصية الحقيقية. لم تستطع كيتلين الاعتراض فالوثيقة المزورة كانت كابوسا لا يمكن الدفاع عنه.
ظننت أن الأمر انتهى. وأن العدالة نهاية الحكاية.
لكن الحزن لا يعرف النهاية. الحزن يتغير يتمدد يلتصق بالروح أو يهدأ فيها فيصير ظلا خفيفا يمر كلما مرت ذكرى.
بعد أسبوع صعدت إلى العلية أبحث عن بعض الصناديق. كانت رائحة الخشب القديم تعبق بالمكان. وبين الدعامات وجدت صندوقا صغيرا أثقلته طبقة غبار كثيفة.
فتحته
صور لنا ونحن أطفال بثياب شتوية كبيرة رسائل قصيرة بخطها الرقيق بطاقات تهنئة أوراق فيها وصفات كانت تنوي تجربتها خصلة شعري من أول قصة. وسوار صداقتي الذي ظننت أنني فقدته منذ سنوات.
وفي الأسفل ظرف بلون أحمر باهت.
وعليه بخط أمي
إلى آنا.
جلست على أرض العلية. فتحت الرسالة بيد ترتجف.
كتبت أمي
إن حدث لي شيء أريدك أن تحافظي على منزلنا.
أنت الأقدر على فهمه والأقدر على أن تحبي روحه.
أحبك
أمك.
غرقت الكلمات أمام عيني حتى اختفت خلف دموعي.
بعد أيام وضعت كيتلين على شرفتي باقة من زهور التوليب الزهرة التي أحبتها أمنا. معها بطاقة صغيرة لم أفتحها. لم أستطع. الكلمات لم تعد قادرة على تضميد هذا الشرخ.
كل مساء أجلس الآن في الشرفة. أحتسي الشاي في فنجان أمي المزين بالورود. أسمع صرير المقعد الخشبي الذي لم أعد أصلحه صار يشبه نبضا يخبرني أن البيت ما زال حيا وأن أمي لم تغادره أبدا.
وفي تلك اللحظات
لا أشعر بالوحدة.
بل أشعر أن