جمعة حماتي

لمحة نيوز


وقبل ما تخرج، جوزي قال جملة خلت كل اللي قاعدين يسكتوا
استني يا ماما لأن الأكل ده مش أهم حاجة أنا اكتشفت إنك كنتِ بتاخديها من مراتى.
وبصلي وقال
إنتِ لسه ما عرفتيش أنا لقيت إيه في حسابات البيت.
حكايات بسمة
الصمت نزل على صالة البيت زي قطعة ثلج كبيرة. علامات الذهول كانت مرسومة على وشوش قرايب جوزي، وعمادي وجوزي حسام واقف ماسك موبايله في نص الصالة، عروق جبهته بارزة وعينيه مليانة خيبة أمل وقسوة عمر ما حد شافها فيه.
حماتي الحاجة أمينة اتجمدت مكانها عند باب الصالة، إيدها كانت على أكرة الباب ولونها خطف بقى زي الجثة، وتحاول تلاقي أي مخرج أو كلمة تدافع بيها عن نفسها بعد الفيديو الصادم اللي اتعرض قدام الجميع.
حسام قرب منها بخطوات بطيئة، كل خطوة كانت بتعمل صوت مكتوم في السجاد، وبص لأمه بصوت جاف وزي موس الحلاقة
اقفي مكانك يا ماما... الجريمة اللي عملتيها النهاردة وفي كل جمعة مش بس إنك كنتِ بتسرقي صواني الأكل واللحمة والمحشي اللي مراتي بتدفع ثمنها من عرق شغلها وعرق جيبنا، ولا إنك كنتِ بتشوهي صورتها قدامي قدام العيلة كل أسبوع وتخليها تبان في نظر الكل إنها ست مفجوعة ومفترية مبتعرفش توفر!
حماتي حاولت ترفع رأسها وتتظاهر بالزعل، ودموع كاذبة بدأت تنزل من عينها
أنت بتتهمني بالسرقة يا حسام عشان خاطر مراتك؟! الأكل ده أنا اللي تعبت فيه وطبخته، وكنت ببعت منه لبنت أختي المسكينة الغلبانة اللي بيتها مقفول عليه!
حسام ضحك ضحكة جافة مليانة مرارة، ونزل الموبايل على الترابيزة الرخام بكل قوته
بنت أختك المسكينة؟! بنت أختك اللي جوزها صاحب معرض عربيات في نصر؟ الأكل اللي كنتِ بتعبيه في علب كل جمعة وتسرقيه من بيت مراتي، كان بيروح يتفرّش في عزومات بيت أختك عشان تتباهي قدام نسايبك إنك الست الكريمة اللي بيتها مبيفضاش، بينما مراتي اللي دفعت ثمن الخضار واللحمة والفواتير كلها من جيبها كانت بتتقال عليها قدام العيلة مابتفهمش في الأصول ومبتحافظش على نعمة جوزها!
أنا كنت واقفة جنب السفرة، صدري بيعلى ويهبط. كرامتي اللي اتداس عليها شهور، وشكوكي اللي كانت هتخرب بيتي، كلها كانت بتترد في لحظة واحدة قدام العيلة اللي كانت بتبص لي زمان بنظرات استحقار وسخرية!
عم جوزي، الحاج توفيق، قام وقف وهو مصدوم وبص لحماتي وقال
بقى الكلام ده يطلع منك يا أم حسام؟ طول السنين دي وإحنا فاكرين مرات حسام هي اللي مبذرة وتاكل القمة وتخلص السفرة، وأنتِ اللي كنتِ بتاخدي الأكل من وراهم وتصممي إن البيت فاضي؟!
حماتي سكتت، ما قدرتش تنطق بكلمة واحدة.
لكن حسام التفت ناحيتي، وبص في عيني بأسف وندم شديد، وطلع من جيب جاكيته كشف حساب بنكي مطبوع وأوراق رسمية، وحطها بين إيديا
بس الأكل ده كان مجرد الستار يا نورهان... الستار اللي كانت ماما مخبياه عشان تشغلنا بيه ونفضل نتخانق على مصروف البيت، بينما الحاجة الحقيقية كانت بتحصل من ورا ضهرنا كل شهر.
أنا أخدت الأوراق بإيد بترتعش
أوراق إيه دي يا حسام؟
حسام قرب مني ومسك إيدي بحرارة وقال
من أربع أشهر، لما بدأتِ تشتكيلي إن المرتب والمصروف مش بيكفي وإن الكروت بتاعتك بتتسحب منها مبالغ مش منطقية، أنا رحت البنك وطلبت كشف حساب تفصيلي للفيزا المشتركة اللي كنا فاتحينها لمصاريف البيت والطوارئ... لقيت إن فيه استقطاع شهري ثابت بقيمة 8 آلاف جنيه بيروح لحساب شخصي باسم أمي!
أنا شهقت من الصدمة
8 آلاف جنيه شهريًا؟! إزاي ده بيحصل وأنا ما وقّعتش على تحويلات؟!
حسام بص لأمه بنظرة حادة وصارمة
أمي استغلت صورة بطاقتك اللي كانت معاها لما كنا بنقدم على أوراق الشقة، وعملت إذن سحب مباشر وتفويض مزور بالتنسيق مع موظف في البنك أقاربها من بعيد، وكانت بتسحب المبلغ ده كل يوم 1 في الشهر تحوله لحساب أختها وبنت أختها، وتيجي كل جمعة تسرق الأكل وتفهمني إن المرتب بيخلص عشان إنتِ مبترشديش المصاريف وخايبة في إدارة البيت!
الصالة كلها اتزلزلت بالهمس والذهول! عموم جوزي وأخواته بصلها بنظرات قرف وعدم تصديق.
حماتي وقفت ترتعش، وشها بقى أصفر زي الورق، وسقطت على الكرسي وهي بتعيط بصوت عالي
حسام! أنا أمك! أنت هتكشفني قدام قرايبك وتفضحني عشان الفلوس؟! الفلوس دي كانت بتروح لأختك وعيلتها عشان يفكوا أزمتهم!
حسام رد عليها بصوت كالصخر، صوت راجل أدرك حجم الظلم اللي سمح بيه في بيته
الفلوس دي كانت عرق مراتي وشقايا أنا! الفلوس دي كانت من قوت بيتي اللي كنتِ عايزة تخربيه وتحرمينا من راحة البال! أنتِ ما خفتيش على بيتي، ولا خفتِ على كرامة مراتي اللي كنتِ بتخليها تنام كل جمعة وهي بتعيط ومقهورة من اتهاماتك الكدابة!
أنا مسحت دمعة حارة نزلت على خدي، وبصيت لحماتي بثبات وكبرياء لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده
أنا الصبر اللي صبرته عليكي يا حاجّة أمينة ما تصبروش جبال... كنت بقول دي أم جوزي ولازم أستحمل، وكنت بدفع من جيبي وأقول البيت واحد، لكن إنك تسرقي عرقي وتتمني خراب بيتي وتتهمني في شرف أمانتي قدام الناس... دي حاجة ربنا ما يرضاش بيها، ولا أنا هسكت عليها!
حسام مسك الأوراق وقال لحماتي قدام الكل
الفلوس اللي اتسحبت طوال الأربع أشهر اللي فاتوا، 32 ألف جنيه، هترجع لحساب نورهان فورًا من نصيبك في إيجار المحل اللي بتكتبيه كل شهر... والموظف اللي في البنك اتعمل فيه بلاغ رسمي صباح النهاردة وسلسلة التحقيق بدأت!
حماتي صرخت
بلاغ؟! أنت هتدخلني في قضايا ومحاكم يا حسام؟!
أنتِ اللي دخلتي نفسك ودخلتي بيتي في المتاهة دي يا أمي. ومن النهاردة... القعدة العائلية بتاعة كل جمعة اتلغت من بيتي تمامًا. أنتِ هتقعدي في شقتك، ومفيش جنيه واحد هيخرج من حسابي أو حساب مراتي، ولا مفتاح للشقة دي هيفضل معاكي!
أخوات حسام وعمومه قاموا وقفوا، وعمه توفيق قرب من حسام وطبطب على كتفه وقال
عندك حق يا حسام... اللي يظلم وما يراعيش ربنا في بيت ابنه وكرامة مراته، ما يلومش غير نفسه. حقك عليّ يا نورهان يا بنتي، إحنا كنا مخدوعين وطول عمرنا بنسمع ونظلمك من غير ما نعرف الحقيقة.
الضيوف والعيلة انسحبوا واحد ورا الثاني في صمت وفضيحة شديدة للحاجة أمينة، اللي سحبت نفسها وطلعت شقتها وهي مكسورة وراسه في الأرض، بعد ما انكشفت ألعابها وانفضح كدبها قدام الكل.
بعد مرور ستة أشهر...
كانت شقتنا هادية ومشرقة، ونور الشمس مالي المطبخ والصالة.
البيت بقى فيه طاقة أمان وراحة بال عمرنا ما حسنيها من يوم جوازنا. حسام غير كالون الباب، وحسابات البيت بقت بالكامل تحت إدارتي أنا وهو وبس بشرط شفافية وقواعد واضحة.
حسام دخل المطبخ، وكان شايل في إيده بوكيه ورد جميل وصينية حلويات صبحت جاهزة.
قرب مني، وحط الورد قدامي ومسك إيدي بكل دفء وندم صادق
نورهان... أنا عارف إن كلمة آسف ما بتصلحش كل الأيام الصعبة اللي عشتيها بسبب سكوتي وحسني نيتي الزايدة مع أمي... بس أقسم بالله أنا كل يوم بطلب من ربنا يعوضك ويكفر عن غلطتي في حقك.
ابتسمت له بهدوء، وأخدت الورد منه وبسته
اللي فات مات يا حسام... المهم إن الحق ظهر، وأن كرامتي اتصانت قدام كل الناس. أنا مش زعلانة منك، لأنك وقفت في وش الظلم لما عرفت الحقيقة وما هربتش.
حسام ابتسم وضمني بحب كبير
بيتنا ده مش هيدخله كدب ولا استغلال تاني أبدًا يا نورهان... أنتِ أمانتي وسندي، والحق دايمًا هو اللي بيعيش.
وعشنا سوا في عز وأمان وحب مرفوعين الرأس، وعرفت وقتها إن السكوت على الاستغلال بيزيده، لكن الشجاعة والأدلة والوقوف قدام الظلم هما الوحيدين اللي يقدروا يرجّعوا للست كرامتها ويدّوا كل ذي حق حقه.
تمت

تم نسخ الرابط