في جنازة شاب
على مصير إنسان بعينه.
لكنه كان يقول إن الشيء الذي لا يحتاج إلى تفسير هو أن العمر قد ينتهي دون موعد.
وأن الإنسان قد يخرج من بيته وهو يظن أن أمامه سنوات طويلة، ثم لا يعود.
ومرت الأيام.
وفي كل مرة كان يسمع الأذان، كان يتذكر ذلك اليوم.
لكن بدل أن يتذكر العبارة القاسېة وحدها، كان يدعو لأخيه
اللهم اغفر له وارحمه، واغفر لنا إذا صرنا إلى ما صار إليه.
وأصبح أكثر حرصًا على ألا يقسو في نصيحته للآخرين.
فقد أدرك أن الموعظة ليست في تخويف الناس بقصص لا نستطيع التحقق من تفاصيلها، وإنما في الحقيقة التي يعرفها الجميع
أن الحياة قصيرة.
وأن التوبة لا تحتاج إلى موعد خاص.
وأن الكلمة التي يقولها الإنسان مستهزئًا أو غاضبًا قد يندم عليها طويلًا.
وأن من الخطأ أن يطمئن المرء إلى شبابه أو صحته وكأنهما ضمان لبقاء العمر.
أما ما رآه الأخ في القپر، فقد ظل سرًا بينه وبين نفسه.
لم يستطع أن يفسره تفسيرًا يقينيًا.
هل كان ما رآه نتيجة رهبة اللحظة؟
هل تغيرت الملامح بعد الۏفاة بطريقة جعلته يتوهم ذلك؟
أم كان للأمر تفسير آخر لا يعلمه؟
لم يكن لديه جواب.
ولذلك لم يدّعِ امتلاك جواب.
كان يقول فقط
الله أعلم بما رأيت، والله أعلم بعباده.
لكن شيئًا واحدًا كان متأكدًا منه.
حين دخل القپر في ذلك اليوم، كان يظن أنه ينزل فقط لډفن أخيه.
وحين خرج منه، خرج وهو ينظر إلى حياته هو بطريقة مختلفة تمامًا.
فقد أدرك أن السؤال الأهم ليس
كيف كانت نهاية فلان؟
بل
كيف أعيش أنا ما بقي من عمري؟
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمع الأذان توقف عن كل ما في يده للحظات.
وتذكر شقيقه.
ودعا له.
ثم دعا لنفسه ولأهله بالثبات والهداية وحسن الخاتمة.
فلا أحد منا يعرف متى تكون آخر ليلة له، أو آخر صباح، أو آخر مكالمة، أو آخر فرصة يستطيع فيها أن يصلح شيئًا بينه وبين ربه أو بينه وبين الناس.
ولهذا لم تكن العبرة في غرابة المشهد الذي رآه داخل القپر بقدر ما كانت في الرسالة التي بقيت معه بعده
لا تؤجل إصلاح نفسك إلى غدٍ، لأن الغد وعد لم يمنحه الله لأحد.
رحم الله موتى المسلمين، وغفر لهم، ورزق الأحياء قلوبًا تعرف قيمة الوقت قبل أن يصبح كل شيء ذكرى.
تمت بحمد الله.