مرات ابني كانت راكعة على ركبها
بي المستشفى وقالت لي إن مريم ولدت. ركبت بسرعة ولقيتها ولدت ولد جميل، صحيح، معافى. لما شفته في حضنها، قلبي اتملأ فرح ما يوصف. سمّوه علي، على اسم أبو مريم. وكنت كل يوم أروح أشوفهم، أجلس جنبهم، وأشوف الطفل اللي كاد يضيع بسبب چريمة بشعة، بيكبر ويتنفس ويعيش بكل أمان.
زرت مصطفى في السچن مرة واحدة. دخلت الأوضة بتاعة الزيارات، ولقيته نحفان كتير، شعره شاب، عينيه غائرة. بص لي وقال
شكراً إنك جيتِ.. كنت فاكركِ مش هتجي أبداً.
جيت عشان أقول لك حاجة واحدة بس. ابنك علي عايش وبخير، ومريم كمان بخير. وكل يوم يعدي وهي بخير، ده تذكير ليك باللي عملته. وكل يوم تقعد هنا، ده جزء من التمن اللي لازم تدفعه.
عارف.. أنا مستحق كل حاجة حصلت لي.. وكل يوم بيعدي هنا، بفتكر كل حاجة عملتها، وكل يوم أكره نفسي أكتر.. سامحيني يا أمي.. لو أقدر أرجع بالزمن كنت عملت كل حاجة غير اللي عملته.
السامح هو ربنا يا مصطفى. وأنا مش قادرة أسامحك دلوقتي.. ممكن بعد سنين، ممكن لأ.. بس المهم إن مريم وعلي يعيشوا في أمان، وما يتعرضوش للي اتعرضوله.
خرجت من السچن، والهواء الطلق دخل لصدري لأول مرة من زمان. حسيت بحرية ما حسّتش بيها من سنين. رجعت للمزرعة، وبدأت أعيد بنائها من الأول. شلت عشة الفراخ، وبنيت مكانها حديقة كبيرة مليانة ورود وشجر. رجعت العمال، ورجعت المزرعة تزهر وتخضر زي ما كانت في زمن جوزي.
كنت كل يوم أروح لمريم وعلي، وأقضي معاهم نص اليوم. كنت أدرّس مريم عشان ترجع تكمّل دراستها وتشتغل في المستشفى زي ما كانت بتتمنى. وساعدتها في كل خطوة، وكنت فخورة بيها كل خطوة تخطّيها لقدام.
وبعد سنين، افتتحت مريم عيادة خاصة بتاعة أطفال، وكانت من أشهر الأطباء في المحافظة. وعلي كبر، وبيحبّني زي جدته، وكل ما يشوفني يجري ويقول لي تيتا ثريا! ويدخل في حضڼي. وكل ما أشوفه، أشوف الحياة اللي رجعت تاني، والنور اللي طلع من وسط الظلام.
مصطفى قضى مدته كلها، ولما خرج، كان إنسان تاني. حاول يقابل مريم وعلي، بس مريم رفضت وقالت له أنت اخترت الطريق ده، ودفعت التمن. ابني مش محتاج يعرف أبوه اللي عمل فيّ كده. وكنت أزوره كل فترة، أساعده في بداية حياته الجديدة، بس ما رجعش يعيش معايا. سكن في بيت صغير بعيد، وعمل في المزرعة بتاعتي كعامل، وكل يوم كان يشوف علي من بعيد، ويدعي له بالخير.
أنا عشت لحد ما شفت علي كبر واتخرج، وشفت مريم ناجحة ومحبوبة من الكل. وعرفت إن العدالة وإن تأخرت بتتحقق، وإن الشړ مهما طال بي الزمن بينتهي، والخير مهما كان صغيراً بيبنى وبيكبر. وكل ما كنت أشوف الحديقة اللي بنيتها مكان عشة الفراخ، كنت أتذكّر مهما كانت الظلامة سوداء وقاسېة، النور لازم يطلع في الآخر، والحق لازم يرجع لأصحابه.
تمت القصة بحمد الله