الشاب والمواشي

لمحة نيوز

شاب مصري اشترى 90 عجل مريض كانوا بيكحّوا، والكل افتكره مجنون وبعدها وباء ضرب مواشي المنطقة كلها، إلا مواشيه!
١٥٠ جنيه.
قالها يوسف عبدالسلام وهو بيحط الفلوس قدام صاحب الحظيرة.
الراجل بص له كأنه سمع أغبى نكتة في حياته.
يا ابني إنت فاهم إنت بتشتري إيه؟
يوسف بص ناحية الحظيرة.
كان فيها 90 عجل صغير، هزيلين ومتكدسين ورا سور حديد قديم. بعضهم كان بيكح، وبعضهم عينيه بتدمع، و كانوا نايمين على الأرض ومش قادرين حتى يرفعوا راسهم.
يوسف قال بهدوء
فاهم.
الراجل هز راسه.
الحيوانات دي مريضة. صاحبها عايز يخلص منهم قبل ما يبدأ يدفع فلوس في دفنهم.
يوسف رد
يبقى أنا هاخدهم.
وفجأة، انفجرت ضحكة من وراه.
كان الحاج صابر الجندي، واحد من أكبر مربي المواشي في المنطقة، واقف بيتفرج عليه.
الحاج صابر كان عنده أكتر من 500 رأس ماشية، وأراضي واسعة حوالين مركز صغير في الصعيد، وكان مشهور إنه ما بياخدش حد على محمل الجد لو مش من عيلة كبيرة أو صاحب خبرة سنين.
قال بصوت عالي
سمعتوا يا جماعة؟ الواد اشترى 90 مقبرة ماشية!
الناس ضحكت.
يوسف ما ردش.
كان عنده 19 سنة.
وقبل 3 شهور بس، رجع للقرية اللي اتولد فيها بعد سنين قضاها مع والدته في القاهرة.
أمه كانت بعد انفصالها عن والده بدأت حياة جديدة، واتجوزت، وبقى عندها بيت تاني وحياة تانية.
ويوسف مع الوقت بدأ يحس إنه مجرد شخص زيادة في البيت.
لحد ما في يوم، وهو عنده 19 سنة، خد شنطة هدومه ورجع للبلد.
رجع لأرض عيلته القديمة.
مزرعة النخيل.
الأرض كانت شبه مهجورة.
حوالي 60 فدان، أغلبهم بقى ناشف ومليان حشائش ومناطق ما حدش قرب منها من سنين.
كل أهل البلد كانوا بيقولوا نفس الجملة
الأرض دي ما تنفعش لمواشي.
لكن يوسف كان عنده حاجة محدش يعرفها.
طول سنتين، كان بينزل في الإجازات ويشتغل مع الدكتور كريم الشاذلي، طبيب بيطري متخصص في المواشي.
ما كانش طبيب.
ولا كان معاه شهادة.
لكن اتعلم أهم حاجة
إزاي يلاحظ.
ولما كل الناس في الحظيرة شافوا 90 عجل مريض، يوسف شاف حاجة مختلفة.
شاف إن أغلبهم عندهم عدوى في الجهاز التنفسي، زادتها قسوة الزحمة، والنقل، وقلة التهوية، والإهمال.
ما كانش يقدر يضمن إنهم هيعيشوا.
لكن كان عارف إن لو فصلهم عن بعض، ووفر لهم مياه نظيفة، وراحة، وتهوية كويسة، في منهم ممكن يتعافى.
الحاج صابر ضحك تاني وهو شايف يوسف بيبدأ ينقل العجول.
حتى لو خفّوا، هتأكلهم منين؟ أرضك ما بيطلعش فيها غير التراب.
يوسف ما ردش.
كان عارف إن في ناس مهما شرحت لهم، مش هيصدقوا.
لازم يشوفوا النتيجة بنفسهم.
نقل ال عجل على كذا مشوار، ورفض يحطهم كلهم فوق بعض عشان يوفر فلوس النقل.
وصل آخر مجموعة بعد نص الليل.
كانت عمته الكبيرة الحاجة زينب قاعدة في المطبخ، قدامها كباية شاي.
بصت له وقالت
جبت كام؟
90.
رفعت حاجبها.
كام واحد فيهم مريض؟
تقريبًا كلهم.
سكتت شوية.
وتفتكر هتنقذ كام واحد؟
يوسف فكر قبل ما يرد
مش عارف.
الحاجة زينب هزت راسها وقالت
كويس.
بص لها باستغراب.
كويس إزاي؟
قالت
اللي يبدأ وهو فاكر إنه هيقدر ينقذ الكل بيتكسر قبل اللي بيحاول ينقذهم.
تاني يوم بدأ الشغل الحقيقي.
يوسف قسم العجول لمجموعات صغيرة.
نضف الحظائر.
صلح السور.
فتح أماكن للتهوية.
وبدأ ينقل المياه بنفسه بعد ما اكتشف إن مواسير المزرعة القديمة مش شغالة.
كان بينام ساعات قليلة جدًا.
وخلال أول أسبوعين، مات 7 عجول.
كل موت كان بيسجله في كراسة قديمة.
التاريخ.
الوزن.
الأعراض.
والعلاج اللي جربه.
لما مات أصغر عجل فيهم، اللي كان دايمًا بيمشي وراه، يوسف دفنه بإيده بعيد عن الحظيرة.
الليلة دي ما أكلش.
الحاجة زينب ما سألتهوش مالك.
بس حطت قدامه طبق أكل تاني.
بالنسبة لها، دي كانت طريقة تقول له
أنا حاسة بيك.
عدى شهر.
وبعدين شهر تاني.
وفي صباح يوم، يوسف وقف جنب حوض المياه.
وسمع صوت خلاه يرفع راسه.
الكحة اختفت تقريبًا.
العجول بدأت تتحرك.
بدأت تاكل.
وعينيها بقت أنضف.
من أصل 90
83 عجل نجوا.
الحاجة زينب خرجت وقفت جنب السور وبصت لهم فترة طويلة.
وبعدين قالت
كل الناس شافت اللي كان ناقص فيهم.
يوسف ابتسم.
فكملت
إنت الوحيد اللي شفت اللي لسه موجود.
لكن ابتسامته اختفت لما قالت
ودلوقتي بدأت أصعب مرحلة.
سألها
إيه؟
قالت
الأكل.
يوسف سكت.
كان معاه 327 جنيه بس.
العلف التجاري كان غالي.
والبنك مستحيل يدي شاب عنده 19 سنة قرض عشان مواشي اشتراها الناس أصلاً باعتبارها هتموت.
ولو ما لاقاش حل
كل اللي عمله طول الشهور اللي فاتت هيروح هدر.
في اللحظة دي، الحاجة زينب بصت ناحية سقف البيت القديم.
وقالت
اطلع أوضة جدك.
يوسف استغرب.
ليه؟
دور على كراسات جدك الكبير.
كراسات إيه؟
بصت له وقالت
الكراسات اللي العيلة كلها قررت تتجاهلها بقالها أكتر من 40 سنة.
يوسف طلع الدور التاني.
الأوضة كانت مليانة تراب وصناديق قديمة.
وبعد بحث طويل، لقى صندوق خشب صغير.
فتحه.
جواه 9 كراسات سودا.
أول واحدة كان مكتوب عليها تاريخ من سنة 1968.
وتحت التاريخ اسم جده الأكبر
عبدالرحمن عبدالسلام.
قعد يوسف على الأرض وبدأ يقلب الصفحات.
كان فيها ملاحظات عن الأرض.
المياه.
نوع التربة.
أماكن الزراعة.
وأغرب من كل ده ملاحظات عن تربية المواشي.
قرأ لساعات.
وفي اليوم التالت، لقى جملة خلت قلبه يدق بسرعة
الأرض دي عمرها ما كانت فقيرة إحنا بس بقالنا نص قرن بنسألها السؤال الغلط.
يوسف فضل باصص للجملة.
وبعدين رجع يقرأ الصفحة اللي بعدها.
ولأول مرة، اكتشف إن أرض عيلته المهجورة كانت مخبية سرًا ممكن يغير مستقبل المزرعة كلها ويخلي نفس الناس اللي ضحكت عليه واقفة على بابه تطلب منه المساعدة.
يتبع
في اليوم الرابع، يوسف ما قدرش يبعد عينه عن الكراسة.
قعد على الأرض، والدفتر مفتوح قدامه، وكل صفحة كانت بتكشف له معلومة أغرب من اللي قبلها.
جده الأكبر ما كانش بيكتب مجرد ملاحظات عن الزراعة.
كان بيسجل تجاربه.
نوع النبات اللي بيزرعه.
كمية المياه.
إيه اللي بيحصل للتربة بعد المطر.
وإزاي بعض النباتات كانت بتفضل خضرا حتى في عزّ الصيف، رغم إن الأراضي اللي حواليها بتتحول لتراب ناشف.
يوسف قلب الصفحات بسرعة.
لحد ما لقى رسمًا قديمًا للأرض.
كان مرسوم عليه خط أزرق طويل، خارج من ناحية النخيل وداخل ناحية الجزء المهجور من المزرعة.
وتحت الرسم جملة
المياه موجودة لكن الوصول ليها محتاج عقل، مش قوة.
يوسف وقف فجأة.
المياه.
رجع يفتكر حاجة كان الدكتور كريم قالها له من سنتين.
كان دايمًا يقول له إن تربية المواشي مش مجرد شراء علف وبيع حيوانات.
المزرعة الناجحة لازم يكون عندها مصدر غذاء ثابت ومصدر مياه مضمون.
يوسف خرج من الأوضة وجري على الحظيرة.
الحاجة زينب كانت بتوزع العلف على العجول.
قال لها
عمتي هو في بئر قديم في الأرض؟
رفعت عينيها له.
وسكتت.
يوسف قرب منها.
إنتِ عارفة؟
قالت بهدوء
جدك كان بيتكلم عنه.
فين؟
لو كان لسه موجود يبقى تحت شجرة التوت القديمة.
يوسف ما استناش تكمل.
خرج يجري.
كانت شجرة التوت في آخر الأرض، وسط مساحة مليانة حشائش وشوك.
فضل يدور حواليها لحد ما لمح حجارة قديمة مدفونة تحت التراب.
بدأ يحفر بإيده.
حجر.
وبعده حجر.
وبعد شوية ظهر غطاء حديد صدئ.
يوسف قلبه بدأ يدق بسرعة.
استدعى عاملين من القرية، وبدأوا يرفعوا الغطاء بحذر.
تحت الغطاء كان فيه بئر قديم.
لكن المفاجأة ما كانتش البئر.
المفاجأة كانت إن المياه اللي جواه كانت موجودة فعلًا.
وبعد تنظيف المكان وتركيب مضخة بسيطة، اكتشفوا إن المياه بتتجدد باستمرار.
يوسف وقف قدامها مش مصدق.
لكن الدكتور كريم، لما جه وشاف المكان، ما ابتسمش.
قال
المياه دي لازم تتفحص قبل أي حاجة.
يوسف وافق فورًا.
وبعد يومين ظهرت النتيجة.
المياه كانت صالحة للاستخدام الزراعي بعد معالجة بسيطة.
يوسف بدأ يفكر بطريقة مختلفة.
لو عنده مياه
يبقى يقدر يزرع.
ولو قدر يزرع
يبقى مش محتاج يشتري كل العلف من السوق.
وبالفعل بدأ ينظف أول قطعة أرض.
زرع فيها نباتات علفية سريعة النمو، واستخدم نظام ري بسيط عمله بإيده من مواسير قديمة.
أول أسبوع ما ظهرش أي شيء.
ثاني أسبوع
برضه الأرض كانت شبه فاضية.
الحاج صابر مر من جنب السور، وشاف يوسف واقف وسط التراب.
ضحك وقال
لسه بتحارب الأرض يا ابني؟
يوسف ابتسم
لسه.
الحاج صابر هز راسه ومشي.
لكن بعد ثلاثة أسابيع
وقف قدام نفس السور.
المرة دي ما ضحكش.
كان قدامه حقل صغير أخضر.
يوسف كان واقف وسطه.
وال عجل كانوا في الناحية التانية، بياكلوا من أول محصول طلع من أرض العيلة بعد سنين طويلة.
الحاج صابر فضل ساكت.
وبعدين قال
إنت عملت ده إزاي؟
يوسف رد
أنا ما عملتش حاجة أنا بس بطلت أتعامل مع الأرض كأنها ميتة.
لكن اللي يوسف ما كانش يعرفه
إن في نفس الأسبوع، بدأ شيء غريب يظهر في مواشي المنطقة.
عجل عند الحاج صابر بدأ يكح.
وبعده يومين، اتنين تانيين.
ثم خمسة.
ثم عشرات.
الأطباء البيطريين بدأوا يتحركوا بين الحظائر.
الناس في البداية قالت إنها نزلة برد.
لكن خلال أيام قليلة
المرض انتشر بشكل مخيف.
حظائر كاملة بدأت تسجل حالات إصابة.
القلق انتشر في القرى المحيطة.
والأغرب
إن كلما زادت الحالات خارج مزرعة يوسف
كانت مواشيه ال بتتحسن أكثر.
الدكتور كريم جه المزرعة في ساعة متأخرة من الليل.
فحص أكتر من عجل.
وبعدين وقف وسط الحظيرة وقال
يوسف عندي سؤال.
اتفضل.
إنت غيرت إيه في نظامهم من أول ما جبتهم؟
يوسف بدأ يعد
التهوية النظافة المياه التغذية
الدكتور هز راسه.
في حاجة تانية.
يوسف فكر.
إيه؟
الدكتور أشار ناحية العلف الأخضر.
النبات ده إنت جايبه منين؟
يوسف بص له.
من أرضنا.
الدكتور أخذ عينة صغيرة من النبات، وحطها في كيس.
وبص ليوسف بنظرة مختلفة تمامًا.
عايز أعمل تحليل للحاجة دي.
ليه؟
الدكتور ما ردش فورًا.
ثم قال
لأن اللي بيحصل عندك مش طبيعي بالشكل ده.
وفي صباح اليوم التالي
ظهر أول تقرير.
يوسف فتح الورقة.
قرأ السطر الأول.
ثم الثاني.
ثم رفع عينيه للدكتور كريم.
كان وش الدكتور جادًا جدًا.
وقال
يوسف النبات اللي بتزرعه هنا مش مجرد علف.
سكت لحظة.
ده ممكن يكون السبب في إن مواشيك قدرت تقاوم العدوى بشكل أفضل من غيرها.
لكن قبل ما يوسف يستوعب الكلام
وصلت عربية بيضاء مسرعة عند باب المزرعة.
نزل منها رجل غريب، ومعاه ملف كبير.
بص ناحية الحظائر.
وبعدين سأل
فين يوسف عبدالسلام؟
يوسف قرب منه.
أنا.
الرجل فتح الملف وقال
أنا جاي من الإدارة البيطرية.
ثم نظر خلف يوسف إلى العجول.
وعندنا مشكلة كبيرة جدًا لأن المرض انتشر في المنطقة كلها.
توقف لحظة.
ومزرعتك هي المزرعة الوحيدة اللي ما سجلتش حالة إصابة واحدة.
يوسف بص للدكتور كريم.
ولأول مرة
حس إن ال عجل اللي الناس ضحكت عليه بسببهم
يمكن ما كانواش مجرد صفقة ناجحة.
يمكن كانوا بداية حاجة أكبر بكتير مما تخيل.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه مستخبية في آخر صفحات كراسة جده
صفحة كتب عليها
لو جاء يوم وانتشر المرض بين المواشي، لا تبحث عن الدواء أولًا ابحث عن السبب الذي جعل بعضها لا يمرض.
يوسف قلب الصفحة.
وتجمد مكانه.
لأن الصفحة التالية كانت تحمل اسمًا وتاريخًا
وتكشف أن جده كان قد واجه نفس الوباء قبل أكثر من خمسين سنة يوسف فضل واقف مكانه، والكراسة مفتوحة بين إيديه.
رجع قرأ السطر مرة تانية.
وبعدين بص للدكتور كريم.
يعني جدي شاف نفس المرض ده قبل كده؟
الدكتور مد إيده للكراسة.
قلب الصفحات بحذر، وبدأ يقرأ.
سنة 1968 بدأت المواشي تمرض واحدة وراء التانية. الكحة، ارتفاع الحرارة، فقدان الشهية والحظائر اللي فيها زحمة كانت بتنهار أسرع.
يوسف ابتلع ريقه.
طب عمل إيه؟
الدكتور قلب الصفحة.
هنا المشكلة.
الصفحة اللي بعدها كانت ناقصة.
نصفها مقطوع بعناية.
يوسف قال
مين قطعها؟
الحاجة زينب، اللي كانت واقفة عند الباب، ردت بصوت منخفض
مش عارفة.
يوسف بص لها.
إنتِ كنتِ تعرفي إن جدي كان عنده الكراسة دي؟
سكتت.
ثم قالت
أنا كنت أعرف إن أبويا كان بيعتبرها أهم حاجة عنده لكن بعد وفاته، الكراسة اختفت سنين.
واختفت فين؟
مش عارفة.
يوسف رجع للكراسة.
وفي أسفل الصفحة كان فيه رقم مكتوب بالقلم الرصاص
17
الدكتور كريم لاحظه.
قال
ده رقم إيه؟
يوسف هز راسه.
مش عارف.
لكن فجأة افتكر حاجة.
نفس الرقم كان موجود على باب مخزن قديم في آخر المزرعة.
المخزن اللي محدش استخدمه من سنين.
يوسف أخد الكراسة وجري.
الدكتور كريم والحاجة زينب وراه.
وصلوا للمخزن.
الباب كان مقفول بقفل صدئ.
يوسف حاول يفتحه، لكن القفل ما اتحركش.
الدكتور قال
استنى.
جاب قطعة حديد من الأرض، وبعد محاولتين انكسر القفل.
فتحوا الباب.
ريحة تراب قديم خرجت منه.
المكان كان مليان أدوات زراعية مكسورة وصناديق خشب.
لكن في آخر المخزن كان فيه دولاب حديد صغير.
وعليه نفس الرقم
17
يوسف قرب.
فتح الدولاب.
جواه ملف جلدي قديم.
فتحه.
وكانت الصدمة
تقارير بيطرية.
تحاليل.
رسومات للنباتات.
وتسجيلات مكتوبة بخط جده.
لكن وسط الأوراق كان فيه ظرف بني مقفول.
يوسف فتحه.
جواه ورقة واحدة.
كتب فيها جده
لو وصلت للورقة دي، يبقى الوباء رجع.
يوسف حس بقشعريرة.
كمل القراءة.
لا تبيع الأرض، مهما عرضوا عليك.
رفع يوسف عينه.
مين؟
مافيش إجابة.
رجع للورقة.
لأن الأرض ليست فقط أرضًا. تحتها سر يجعلها مختلفة عن كل الأراضي المحيطة بها.
الدكتور كريم قرب منه.
كمّل.
يوسف قرأ
منذ سنوات، اكتشفت أن مجرى المياه القديم يمر بالقرب من طبقة طبيعية غنية بعناصر نادرة، وعندما تنمو النباتات فوقها تتغير قيمتها الغذائية بطريقة لم أفهمها بالكامل.
الدكتور سكت.
يوسف قال
يعني جدي كان عارف إن العلف اللي بيطلع هنا مختلف؟
واضح.
قلب يوسف الورقة.
لكن آخر سطر كان أكثر غموضًا
ولا تجعل أحدًا يعرف الحقيقة كاملة لأن بعض الناس لن يروا في الأرض علاجًا للمواشي، بل سيرون فيها فرصة للثراء.
في نفس اللحظة
سمعوا صوت عربية بتقف خارج المخزن.
الحاجة زينب بصت من الشباك الصغير.
وشها اتغير.
يوسف سأل
مين؟
قالت
الحاج صابر.
خرج يوسف.
كان الحاج صابر واقف جنب عربيته، لكن المرة دي ما كانش لوحده.
كان معاه رجلين من خارج القرية.
الحاج صابر بص ناحية يوسف وقال
سمعت إن عندك حاجة جديدة.
يوسف سأل
حاجة إيه؟
الحاج صابر ابتسم ابتسامة غريبة.
الناس كلها بتتكلم عن مواشيك.
ثم قرب خطوة.
بيقولوا إنك لقيت سر في أرض جدك.
يوسف سكت.
الرجل اللي كان واقف جنب الحاج صابر قال
إحنا مش جايين نعمل مشكلة.
ثم أضاف
جايين نشتري جزء من الأرض.
يوسف رد فورًا
مش للبيع.
الرجل ابتسم.
حتى لو السعر كبير؟
مش للبيع.
الحاج صابر تدخل
يا يوسف، فكر بعقلك. الأرض دي مهجورة من سنين. إنت لسه عندك 19 سنة، ومش هتعرف تدير كل ده لوحدك.
يوسف بص له بثبات.
أنا هتعلم.
الحاج صابر سكت.
ثم قال جملة جعلت يوسف يشك أكثر
إنت مش فاهم إنت لقيت إيه.
يوسف سأله
وإنت فاهم؟
لأول مرة، اختفت الابتسامة من وجه الحاج صابر.
سكت ثواني.
ثم قال
أكتر مما تتخيل.
وركب عربيته ومشي.
يوسف فضل واقف يتابع العربية وهي بتبعد.
الدكتور كريم قرب منه.
إنت شاكك فيه؟
يوسف قال
أنا مش شاكك في حد.
ثم رفع الكراسة.
بس واضح إن جدي كان عارف إن اليوم ده هييجي.
وفي نفس الليلة
بدأت الأخبار تنتشر إن المرض وصل إلى قرية تانية.
وبعدها بساعات، وصل اتصال للدكتور كريم.
رد.
وشه اتغير.
قفل المكالمة وقال
المرض اتسجل في 11 مزرعة جديدة.
يوسف سأل
ومواشينا؟
الدكتور بص له.
ولا حالة.
يوسف سكت.
ثم قال
يبقى لازم نعرف ليه.
لكن قبل ما يبدأوا البحث
وصل خبر أخطر.
واحد من أكبر مربي المواشي في المنطقة أُصيبت عنده كل الحيوانات تقريبًا.
والناس بدأت تتجمع أمام مزرعته.
وفي وسط الفوضى
كان فيه شخص واحد واقف بعيد، بيراقب مزرعة يوسف من آخر الطريق.
ولما شاف النور انطفى في بيت يوسف
طلع هاتفه واتصل بشخص مجهول.
وقال
أيوه لقينا الأرض.
سكت لحظة.
ثم أضاف
والولد بدأ يفهم السر.
وأغلق الهاتف في صباح اليوم التالي، يوسف صحى على صوت خبط شديد على باب المزرعة.
فتح الباب، فلقى الدكتور كريم واقف ومعاه رجلين من الإدارة البيطرية.
الدكتور قال بسرعة
لازم نفحص المواشي كلها.
يوسف اتوتر.
ليه؟
وصلتنا تعليمات إن أي مزرعة في المنطقة لازم تتفحص، خصوصًا المزارع اللي ما ظهرتش فيها إصابات.
يوسف فتح لهم البوابة.
دخلوا الحظائر، وفحصوا العجول واحدة واحدة.
حرارة.
تنفس.
عينين.
شهية.
معدل الحركة.
وبعد ساعة تقريبًا، أحد الأطباء وقف مذهولًا.
كلهم طبيعيين.
الدكتور كريم ابتسم، لكن ابتسامته كانت ناقصة.
قال
وده اللي مخوفني.
يوسف بص له.
ليه؟
لأن مقاومة المرض بالشكل ده مش مجرد صدفة.
في نفس اللحظة، واحد من الأطباء شاور ناحية حوض المياه.
المياه دي منين؟
يوسف شرح لهم قصة البئر القديم.
الطبيب طلب عينة فورًا.
ثم طلب عينة من العلف الأخضر.
وبعد ما خرجوا، قال الدكتور كريم
النتائج دي ممكن تغير طريقة تعاملنا مع المزارع كلها.
يوسف سأل
يعني نقدر نساعد باقي المواشي؟
الدكتور رد بحذر
ممكن نساعد، لكن لازم نعرف السبب الحقيقي الأول.
يوسف رجع للكراسة.
جدي كان عارف.
فتح الصفحة اللي فيها الملاحظات القديمة.
بس في صفحات ناقصة.
الدكتور كريم قال
يبقى ندور على النسخة الأصلية.
يوسف بص له باستغراب.
نسخة أصلية؟
الدكتور أشار للكراسة.
جدك كان بيسجل كل حاجة بالتفصيل. مستحيل يكون كتب أهم اكتشافاته في كراسة واحدة بس.
بدأوا البحث في المخزن.
صندوق وراء صندوق.
أوراق قديمة.
خرائط.
فواتير.
صور بالأبيض والأسود.
لكن مفيش شيء.
لحد ما الحاجة زينب قالت
استنوا.
كانت ماسكة صورة قديمة.
الصورة كانت لجده الأكبر واقف قدام الأرض، وخلفه مجموعة من الرجال.
يوسف قرب منها.
مين دول؟
الحاجة زينب قالت
ناس كانوا بيشتغلوا معاه زمان.
يوسف ركز في الصورة.
واحد من الرجال كان ماسك لوحة خشبية عليها رقم.
17
يوسف تجمد.
المخزن رقم 17
قلب الصورة.
على ظهرها كان فيه كلام مكتوب
المكان اللي بدأ منه كل شيء.
يوسف رفع عينيه.
يعني في مكان تاني؟
الحاجة زينب هزت رأسها.
يمكن.
خرجوا من المخزن وبدأوا يراجعوا الخريطة القديمة.
الخط الأزرق اللي رسمه جده كان ممتدًا لمسافة أبعد مما توقع يوسف.
كان خارج حدود الأرض الحالية.
واصل ناحية منطقة صخرية مهجورة.
يوسف قال
أنا عمري ما رحت هناك.
الدكتور كريم رد
يبقى نروح.
بعد ساعة، كانوا واقفين عند نهاية المزرعة.
كان المكان مليان صخور وأشجار برية.
مفيش أي علامة تدل على وجود شيء.
لكن يوسف لاحظ حجرًا كبيرًا عليه نفس الرمز القديم.
حركه.
ظهر تحته صندوق معدني صغير.
فتحوه.
جواه زجاجات قديمة جدًا، وبعض الأوراق.
لكن أهم شيء كان دفتر صغير.
يوسف فتحه.
وكانت أول جملة فيه
التجربة نجحت.
الدكتور كريم قرب منه.
بدأوا يقرأوا.
جده كان قد اكتشف أن نوعًا معينًا من النباتات البرية ينمو فقط في جزء محدد من الأرض، وأن المواشي التي تتغذى عليه بانتظام كانت تتمتع بصحة أفضل.
لكن كان فيه شيء آخر.
جملة تكررت أكثر من مرة
لا تستخدمه قبل معرفة سبب المرض.
الدكتور كريم قال
دي نقطة مهمة جدًا.
يوسف سأله
ليه؟
لأن جدك ما كانش بيتعامل مع النبات كدواء. كان بيعتبره جزءًا من نظام غذائي، والفرق كبير.
يوسف بدأ يفهم.
الموضوع ما كانش وصفة سحرية.
كان نظامًا كاملًا.
مياه نظيفة.
تهوية.
نظافة.
غذاء متوازن.
والنبات ده كجزء من التغذية.
لكن قبل ما يكملوا
وصلهم صوت محرك سيارة.
التفتوا.
عربية سوداء كانت واقفة بعيد.
نزل منها رجل.
كان نفس الرجل اللي شافه يوسف مع الحاج صابر.
لكن المرة دي كان لوحده.
قال بصوت مرتفع
يوسف!
يوسف ما ردش.
الرجل قرب.
أنا جاي أتكلم معاك للمرة الأخيرة.
يوسف قال
اتفضل.
الرجل أشار ناحية الأرض.
إنت لسه صغير، ومش مدرك قيمة اللي تحت رجليك.
يوسف سأله
وإنت عايز إيه؟
نشتري الأرض.
قلت لأ.
الرجل ابتسم.
مش لازم تبيعها كلها.
يوسف سكت.
الرجل كمل
بيع الجزء اللي فيه البئر والمزرعة القديمة.
الدكتور كريم تدخل
وليه الجزء ده بالذات؟
الرجل ما ردش.
وهنا يوسف فهم.
هو مش عايز الأرض كلها.
هو عايز يعرف مكان المياه.
يوسف قرب منه وقال
مين بعتك؟
الرجل ابتسم.
فكر في السؤال ده كويس.
ثم ركب عربيته ومشي.
الدكتور كريم بص ليوسف.
واضح إن الموضوع أكبر من الوباء.
يوسف رجع يبص للدفتر القديم.
وفي آخر صفحة
لقى خريطة صغيرة.
عليها علامة حمراء.
وتحتها جملة واحدة
إذا ظهر الوباء مرة أخرى، ابحث عن الحجر الأبيض قبل أن يبحث الآخرون عنك.
يوسف رفع رأسه.
وعلى بعد أمتار قليلة
كان فيه حجر أبيض كبير وسط الحشائش.
لكن قبل ما يروح له
سمع صوت صراخ من ناحية الحظائر.
جرى بأقصى سرعته.
ولما وصل
لقى أحد العجول واقع على الأرض.
وكان أول عجل من ال تظهر عليه أعراض

تم نسخ الرابط