ناكل مكرونه
ماما... تيتا قالت إن أنا وإنتِ ناكل مكرونة بس، وإن الأكل اللي على السفرة ده ليهم هما.
الجملة نزلت عليّا كأن حد ضربني على صدري.
كنت لسه راجعة من الشغل بعد أربع أيام متواصلة برجع فيهم متأخر، والساعة كانت معدية التسعة بالليل بشوية. أول ما فتحت باب شقتنا في التجمع، لقيت ريحة زبدة وتوابل ومأكولات بحرية مالية المكان.
ومن جوه الصالة، كان صوت الضحك عالي، وكوبايات بتخبط في بعض، وصوت جوزي، أحمد، طالع وسط الدوشة
هاتِلي كمان من الكابوريا يا ماما... ما هي أم نور هي اللي بتدفع!
وقفت مكاني.
ما دخلتش الصالة على طول.
بصيت من بعيد، ولقيت السفرة متغطية بأكل يكفي فرح.
جمبري جامبو، كابوريا، سوشي، سمك، صواني مأكولات بحرية، وزجاجات مستوردة.
حماتي، فوزية، قاعدة في صدر السفرة بتضحك وبتاكل براحتها، وجوزي أحمد جنبها، وأخته داليا، اللي بقالها تقريبًا سنة عايشة معانا بحجة إنها بتدور على شقة وبتظبط أمورها، كانت ماسكة موبايلها وبتصور الأكل عشان تنزله ستوري.
أما بنتي نور...
ماكانتش معاهم.
دخلت أدور عليها لحد ما لقيتها في المطبخ.
النور كان مطفي.
كانت قاعدة على كرسي صغير، وقدامها طبق مكرونة مسلوقة سادة، من غير لحمة ولا فراخ، وبتاكل منه بالشوكة ببطء.
أول ما شافتني، حاولت تخبي الطبق بعيد.
قربت منها بسرعة.
إنتِ بتاكلي هنا لوحدك ليه يا نور؟
وطت راسها، وسكتت شوية، وبعدها قالت بصوت مكسور
ماما... تيتا قالت إن الأكل اللي على السفرة مش لينا.
قلبي اتقبض.
يعني إيه مش لينا؟
بلعت ريقها وقالت
قالتلي إن أنا وإنتِ ناكل مكرونة وخلاص... وقالت إن أنا أصلاً أكلت في المدرسة، وإن الفلوس اللي بتجيبيها من شغلك دي عشان بابا وتيتا يعيشوا كويس.
فضلت باصة لها كام ثانية.
ماكنتش مصدقة اللي بسمعه.
بنتي عندها عشر سنين، قاعدة لوحدها في المطبخ بتاكل مكرونة سادة، بينما أهل أبوها قاعدين قدامها بياكلوا أكل بمبالغ أنا شخصيًا كنت بفكر ألف مرة قبل ما أصرفها.
ماصرختش.
ماعملتش خناقة.
ولا دخلت أرمي الأطباق من على السفرة.
بس مسكت طرف الرخامة جامد، عشان إيدي كانت بتترعش.
ومن الصالة سمعت أحمد بيضحك
والله كويس إن مراتي شغالة وبتتعب... أمال مين هيصرف علينا ويدلعنا كده؟
لفيت ناحية السفرة.
وعلى طرف البوفيه كان فيه الإيصال.
12480 جنيه.
قربت منه.
وتحته إيصال الدفع بالكارت الإضافي اللي كنت مديه لحماتي من كام شهر، وقلت لها وقتها
خليه معاكي لو حصلت حاجة ضرورية في البيت.
طلعت الضرورة كابوريا وجمبري وسوشي.
وقتها حسيت إن الصورة بدأت تكمل قدامي.
من حوالي ست شهور وأنا حاسة إن فيه حاجة غلط بتحصل من ورايا.
اكتشفت قروض باسمي أنا ماطلبتهاش.
وسحوبات غريبة من حساباتي.
وحركات تحويل فلوس مش فاهمها.
وفي مرة، لقيت صور لمستندات تخص الشقة متصورة من على الكمبيوتر بتاعي.
واللي خلاني أشك أكتر إن أحمد كان مخبي عني حساب بنكي، وفيه حد حاول يستخدم بياناتي عشان يطلع تمويل باسمي.
كنت عارفة إن فيه مصيبة.
بس ماكنتش عايزة أواجههم من غير دليل.
عشان كده سكت.
كنت بجمع كل حاجة واحدة واحدة.
بس اللي حصل الليلة دي غيّر كل حساباتي.
الموضوع ما بقاش سرقة فلوس.
ولا نصب عليّا.
دول أهانوني...
وأهانوا بنتي قدام عيني.
مسكت إيد نور.
قومي يا حبيبتي، البسي الجاكت بتاعك.
بصتلي باستغراب
هنروح فين؟
هنخرج شوية.
بس تيتا؟
بصيت في عينيها وقلت بهدوء
النهارده مش مطلوب منك تستأذني حد.
خرجنا من البيت من غير ما أقول كلمة لأي حد.
بعد شارعين، دخلنا كافيه صغير لسه فاتح.
نور قعدت قدامي، ولما سألتها هتاكل إيه، طلبت فراخ بانيه بالجبنة، وبطاطس مهروسة، وكوباية كركديه.
ولما الأكل وصل، بدأت تاكل ببطء.
ببطء أوي.
كأنها لسه خايفة حد ييجي يقول لها
سيبي الأكل ده.
المشهد ده وجعني أكتر من أي شتيمة ممكن أسمعها.
فتحت موبايلي.
دخلت على تطبيق البنك.
وأنا باصة لبنتي، بدأت أقفل كل حاجة.
قفلت الكارت الأساسي.
قفلت الكارت الإضافي بتاع حماتي.
لغيت الكارت اللي أحمد كان بيستخدمه.
وقفت كل التحويلات التلقائية.
وغيرت كل كلمات السر.
ماعداش ساعة...
وموبايلي بدأ يرن بشكل جنوني.
مكالمة.
وراها مكالمة.
عشرين مكالمة.
وبعدين تلاتين.
وبعدين أكتر.
ما رديتش على حد.
لحد ما وصلتني رسالة من داليا
نادين، إنتِ عملتي إيه؟! بكرة المهندس جاي عشان يمضي على عقد التوسعة. لو قفلتي الكروت، هنجيب منين مقدم الشغل؟!
فضلت باصة للرسالة.
عقد التوسعة؟
أنا ماوافقتش على أي توسعة.
ولا طلبت مهندس.
ولا مضيت على أي عقد.
ولا حتى حد كلمني في الموضوع.
ساعتها حسيت ببرودة في أطرافي.
فهمت إن اللي كنت بخاف منه بقاله ست شهور...
ماكانش مجرد محاولة لسرقة فلوسي.
كان فيه مخطط أكبر بكتير.
والمخطط ده...
بدأ يتنفذ من غير ما أعرف.
بصيت لبنتي وهي بتاكل، وقلبي قاللي إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير.
لأني لو كنت عرفت الحقيقة قبلها بساعة واحدة بس...
ماكانش هيبقى عندي بيت أرجع له.
قعدت في الكافيه أدام نور، وعينيها بدأت تلمع بالأمان وهي بتاكل الوجبة اللي حرمتها منها تيتا. لكن جوايا، كان فيه بركان بيغلي. خلاص، مابقاش ينفع السكوت. الحكاية اتخطت