خبت الزعيم
اخلع الجاكت.
خلعه.
القميص كمان.
بصلها ثواني.
ليلى قالت ببرود
أنا ممرضة طوارئ. متفهمش غلط، إحنا مش في خروجة.
فك أزرار القميص.
وأول ما كشف جسمه، ليلى شافت الجرح.
جرح عميق في بطنه.
جرح تاني في دراعه.
وثقب قريب من كتفه كان بدأ يقفل من نفسه.
فتحت شنطة الإسعافات اللي تحت الحوض.
طلعت شاش.
ومحلول.
وخيط جراحي.
وباندجات.
الراجل فضل متابعها.
وبعدين قال
إنتِ مخبية مستلزمات تكفي مستشفى صغير.
ليلى ما رفعتش عينها.
اتعلمت إني ما أعتمدش على حد ييجي ينقذني في الوقت الصح.
تعبير وشه اتغير.
سألها
حد علمك كده؟
إيدها وقفت للحظة.
وبعدين كملت.
حد أثبتلي كده.
بدأت تنظف جرح بطنه.
ده هيوجع.
عارف.
ماعنديش بنج كفاية.
اعملي اللي لازم يتعمل.
سند ساعده على حافة البانيو.
ليلى بدأت تنظف الجرح.
شد على سنانه وأخد نفس من بين أسنانه.
وبعدها
ثبت مكانه تمامًا.
ولا طلع صوت.
ليلى شافت ناس كتير قبل كده بتعمل الحركة دي.
جنود.
رجالة اتعرضت لحوادث.
ناس اتعلمت تحبس الألم جواها وتحطه في حتة مقفولة من دماغها لحد ما تعدي الأزمة.
بصت له.
إنت اتعودت على الإصابات دي.
رد من غير ما يبصلها
مش أول مرة.
أنا قصدي إنك اتعورت قبل كده كتير.
فهمت قصدك.
فضلت شغالة في صمت.
إحدى عشرة دقيقة.
ولا واحد فيهم اتكلم.
لحد ما
سمعوا صوت خطوات برا الشقة.
خطوات كتير.
ناس بتتحرك بحذر.
الراجل رفع عينه فجأة.
كل ملامحه اتغيرت.
قال بصوت واطي
لقونا.
ليلى بصت له.
إزاي؟
ما لحقش يرد.
لأن خبطتين خفاف جُم على باب الشقة.
وبعدهم صوت راجل
يا مدام؟
ليلى بصت ناحية الباب.
الراجل المصاب قرب منها وقال بهمس
لو عايزة تعيشي ما تفتحيش.
قلبها بدأ يدق بعنف.
لكن قبل ما ترد
سمعت صوتًا تعرفه جيدًا.
صوت ما كانتش تتمنى تسمعه تاني طول عمرها.
صوت طليقها محمود.
ليلى
جسمها كله اتجمد.
الصوت جه من ورا الباب.
أنا عارف إنك جوه.
ليلى ما اتحركتش.
محمود ضحك ضحكة قصيرة باردة.
بقالنا كتير ما اتكلمناش يا مراتي السابقة.
الراجل المصاب بص لها.
هو مين؟
ليلى همست
طليقي.
طليقك؟
هزت راسها.
وبعدين بصت له بخوف حقيقي لأول مرة
هو أخطر من الناس اللي بره.
الراجل سكت لحظة.
وبعدين سأل
ليه؟
ليلى ما ردتش.
لأنها كانت عارفة إن محمود مش جاي ياخدها بس.
هو جاي يرجعها.
يرجع يملكها.
لكن محمود ماكانش يعرف إن الليلة دي مختلفة.
لأن ليلى
مبقتش لوحدها.
وهو على وشك يكتشف بنفسه إن الراجل اللي مستخبي تحت سريرها
مش مجرد مصاب هارب.
إنه سليم الشاذلي
الاسم اللي تجار السلاح في القاهرة كانوا بيخافوا حتى ينطقوه.
والليلة دي
محمود اختار يخبط على الباب الغلط.
الصوت بره الباب اتقلب من نبرة ظابط الشرطة الرسمي الركيك، لصوت محمود الحقيقي.. صوت السيطرة والامتلاك القديم.
افتحي يا ليلى.. بلا حركات عيال. أنا معايا أمر تفتيش وقرار نيابة عام.. وعارف كويس إنكِ قاعدة جوه لوحدك.
سليم الشاذلي رفع راسه ببطء من فوق حافة البانيو، وعينيه الضيقتين استقروا على وش ليلى اللي كان باين عليه الرعب المخلوط بالغضب الدفين. سليم بص لنفسه في مراية الحمام المكسورة، وبص لجروحه المفتوحة، وبعدين بص للباب الخشبي القديم اللي كان بيترعش تحت إيد محمود.
صوت محمود كمل بنبرة تانية، فيها تهديد مبطن
فاكرة لما هربتي و غيرتي اسمك وظروفك هعرف أجيجك؟ البلد دي كلها بتاعتي.. واللي زيك مش بيلعبوا مع الكبار. افتحي.. أحسن أكسر الباب على دماغ الراجل اللي مخبياه جوه.. أصل أنا عارف إنك مش ناوية تسيبي شقتك منورة الفجر كده من غير سبب!
ليلى كشرت.. اتجمعت الدموع في عينها من القهر القديم، لكن سرعان ما اتحولت لشرارة حقيقية. بصت لسليم كأنها بتستشيره.. أو كأنها بتدعو معركة مؤجلة.
سليم قام وقف على رجليه ببطء وثبات، رغم الوجع اللي كان واكل جسمه. حط إيده الشمال في جيب جاكت البدلة المقطع، وطلع مسدس صغير كاتم للصوت، أسود مطفي مش بيلمع تحت نور الحمام الضعيف.
خايفة؟ سألها بصوت خشن وواطي.
ليلى هزت راسها بالنفي، وشدت السكينة اللي في إيدها أكتر
أنا مبقتش بخاف.. أنا زهقت.
بره الباب، محمود زهق. أشر للاتنين اللي معاه اللي لابسين زي ظباط. واحد منهم كان بيطلع عتلة حديد صغيرة عشان يفتح الباب بالقوة.
اتصرفوا.. اخلعوا الباب ده حالا.. قال محمود بنبرة آمرة ومتعجرفة.
قبل ما العتلة تلمس خشب الباب، والكلبشات تخبط في الحيطة..
تك.
صوت قفل جنزير الأمان وهو بيتفك من جوه ببرود تام.
المزلاج اتقلب.
والمفتاح دار دورتين.
الباب اتفتح ببطء شديد، وطلع منه هواء دافي محمل بريحة مطر ورائحة ددم مطهر.
محمود وقف قدام الباب، بابتسامة صفراء واثقة وهو رافع حواجبه، ومستعد يمد إيده يجذب ليلى من شعرها كالعادة ويرجعها لسجنها الصامت..
لكنه ما شافش ليلى في وش الباب.
هو شاف راجل تاني خالص واقف جوه.. لابس قميص مفتوح نص فتحة، بيكشف عن كتف ملفوف بشاش أبيض مبلول بالدم، وفي إيده اليمين مسدس أسود موجه مباشرة بين عيون محمود.
محمود بلع ريقه، ابتسامته اتجمدت على بوقه، وعينيه وسعت برعب فجأة وهو بيقول بصوت متهدج
إ إنت مين؟! ودخلت هنا إزاي؟!
سليم الشاذلي ما ابتسمش. قال بصوت أعمق وأبرد من الهوا اللي جاي من الشباك
أنا الراجل اللي تحت السرير يا ظابط.
الظابطين اللي كانوا واقفين ورا محمود حاولوا يمدوا إيدهم لمسدساتهم، لكن قبل ما أصابعهم تلمس سلاحهم، ظهرت ليلى من ورا سليم، وفي إيدها مسدس تاني.. مسدس محمود القديم اللي كان سايبه في درج دولابه زمان وسرقته منه يوم هربها الأول، وكانت مخبياه تحت حوض المطبخ طول السنة دي عشان اللحظة دي.
وقفت ليلى ورا سليم، وعينيها كانت ثابتة ولا فيها ذرة خوف.. وبصت لطليقها اللي بقى أثر جبان مرعوب قدامها
أهلاً يا محمود.. منور البيت. من زمان مستنية اللحظة اللي أقولك فيها.. إن اللعبة خلصت.
في خلال دقيقتين، كانت الشقة هادية تمامًا.
محمود والاتنين اللي معاه كانوا مرميين على أرضية الطرقة مكبلين بجليد الحبال اللي سليم كان شايطه في عربيته واللي جابته ليلى من البلكونة، ومسدساتهم تجميعهم كله بقى فوق ترابيزة الصالون.
محمود كان بيبص لليلى بذهول وذعر حقيقي، مش مصدق إن الست المكسورة اللي كانت بتهرب منه زمان، هي نفسها اللي واقفة قدامه دلوقتي ومعاها زعيم المافيا اللي مصر كلها بتدور عليه.
سليم بص لليلى، وابتسم ابتسامة خفيفة، وهو بيلبس جاكت البدلة فوق كتفه المصاب بصعوبة
شكراً على خياطة الجروح يا دكتورة.
ليلى نزلت مسدسها، وبصت للباب المفتوح اللي المطر كان بيغسل عتبته بره، وقالت وهي بتاخد نفس عميق وحر لأول مرة من سنين
اعتبره تمن الأجرة يا سéليم.. وشكله كده، طريقنا إحنا الاتنين.. لسه بيبدأ.