في جنازة بنتي
كفيل إنه يقلب حياة شريف ومراته التانية رأسًا على عقب.
رفع الأستاذ ممدوح الشناوي الورقة الأولى، وبنبرة واثقة وهادئة ملأت أرجاء الكنيسة، بدأ يقرأ بصوت جهوري
أنا نور لو الورقة دي اتفتحت، معناه إن شريف كمل طريقه للآخر، وإن قلبي اللي استحمل كتير توقف أخيرًا. مش هكتب وصية أطلب فيها حق، لأن الحق أخدته بالقانون وبمستندات ما يقدرش مئة زي شريف ينكروها.
اهتزت ابتسامة شريف تمامًا، وظهر شحوب مفاجئ على وجه مراته التانية اللي قربت منه بتوتر وسألته بصوت واطي سامعه الكل إيه الورق ده يا شريف؟! هو كان عندها إيه أصلًا؟!
المحامي كمل قراية من الورقة التانية بخطوات ثابتة
شريف كان فاكر إن تعبي وسكوتي ضعف، وما كانش يعرف إن شهور مرضي الأخيره كانت هي الوقت اللي وثقت فيه كل حاجة. شريف لم يكتفِ بالإهانة والضرب اللي أثبته التقرير الطبي الموثق والموجود هنا في الظرف بنسخة أصلية، بل إنه استغل توكيلي العام عشان ينقل ملكية كل أملاكي وأملاك والدي الله يرحمه لسمسار تلاعب بيه وسجلها باسم مراته التانية! عقود الإيجار، وشقة المعادي، ورصيد البنك.. كله تم بطريقة غير صالحة قانونيًا لأنها تمت تحت الإكراه والتهديد الموثق بتسجيلات صوتية واضحة جداً.
صوت همسات الحاضرين اتحول لضجة مكتومة. شريف انتفض مكانه وصرخ بغضب وعصبيّة أفقدته السيطرة كذب! دي ورق مزور! دي ولية مجنونة ومفبركة كل ده! أنا هحبسك يا محامي وهرفع قضية تشهير!
لكن المحامي ممدوح مخدش فباله صياحه، وطلع الورقة الأخيرة، وهي عبارة عن مستند رسمي بخاتم شعار الجمهورية، وقال ببرود قاتل
الورقة دي مش بس بتبطل كل التنازلات المالية والعقارية اللي شريف أجبر موكلتي عليها دي عبارة عن بلاغ جنائي رسمي مقترن بأدلة قاطعة، ومقدم للنيابة العامة بتهمة النصب، والتزوير، والابتزاز، والاعتداء الجسدي اللي أدى لمضاعفات خطيرة على صحة الحامل وجنينها، وده معناه إن الشيكات والعقود اللي باسم مراته التانية باطلة، وعقوبتها السجن المشدد اللي بيبدأ من سنين طويلة ولا مجال فيه للتصالح.
بص المحامي مباشرة لعينين شريف اللي اتسعوا من الرعب، وكمل بابتسامة خفيفة النيابة أصلاً يا بشمهندس شريف أصدرت قرار ضبط وإحضار ليك وللمرتك التانية بناءً على بلاغ قدمناه امبارح بالليل، وكنت مستني لحظة انتهاء الجنازة عشان أنفذه قدام الكل.. واديك شايف، الشرطة بره الكنيسة مستنيانا كلنا.
التفت شريف ومراته المذعورة نحو باب الكنيسة، فلقوا بالفعل عناصر من الشرطة واقفة بهدوء عند المداخل، والكل بيوسع لهم الطريق. مراته التانية انهارت تمامًا وقعت على الأرض تعيط وتصرخ أنت ضحكت عليا وفهمتني إنها هتموت ومحدش هياخد باله! أنت ضيعتني!
أما شريف، فوقف مذهول، الكلمات تجمدت في حلقه، وبدلة الشياكة والفرح اللي كان داخل بيها اتقطعت قيمتها في ثانية واحدة وهو بيكلبش قدام مئات الحاضرين و قدام عيون الأم اللي انتصرت لدمعة بنتها.
قعدت على الدكة، بصيت للتابوت بهدوء، ونزلت دمعة حقيقية هالمرة.. دمعة راحة وإجلال لبنتي. نور كانت أذكى بكتير مما تخيلوا، وسابت لهم مفاجأة.. مش بس تقلب حياتهم رأسًا على عقب، دي كانت النهاية اللي حطت كل سارق وظالم في مكانه الطبيعي ورا القضبان.