يوم المعاش
الجداد، وأقضي بقية اليوم برا أو بقرأ كتاب.
أما حسن...
فبقى يعد الأيام.
كل يوم أول الشهر يقبض معاشه، وينزل يديه كله لأرملة أخوه، ويرجع البيت بجيب فاضي.
في الأول كان بيحاول يبان قدامي إنه مقتنع.
لكن بعد أسبوعين، بدأت الحقيقة تظهر.
بقى يشتكي من كل حاجة.
الأكل بقى بسيط أوي.
مفيش لحمة؟
مفيش فراخ؟
كنت أرد بابتسامة
معلش... الظروف.
أصل إحنا عايشين على معاشي بس.
وأنا كمان بدفع مصاريف الجامعة.
إنت بنفسك قلت إن ده يكفي.
كان يسكت...
لكن وشه كان بيحمر من الغيظ.
وفي يوم الجمعة...
كريم دخل البيت وهو متضايق.
قال وهو بيقعد على الكنبة
ماما... محتاج ثلاثة آلاف جنيه.
بصيتله بهدوء.
ليه؟
العربية عطلت... ولازم أصلحها.
قلت
معنديش.
استغرب.
يعني إيه معندكيش؟
يعني معنديش.
أنا دلوقتي معاشي متوزع.
مصروف البيت.
ورسوم الجامعة.
وشوية فلوس بحوشهم عشان أسافر آخر السنة.
وقف يبصلي وكأني شخص غريب.
يعني هتسيبيني؟
ابتسمت.
لا يا حبيبي.
أنا بس بطبق الدرس اللي إنت وباباك علمتوهولي.
العيلة تساعد بعضها.
روح اطلب من باباك.
سكت.
لأنه عارف إن باباه ممعهوش جنيه.
فضل واقف ثواني...
وبعدين خرج من غير ما يقول كلمة.
بعدها بيومين...
جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت أرملة أخو حسن واقفة.
وشها كله ابتسامات.
أول ما دخلت قالت
ربنا يباركلك يا منى.
حسن راجل أصيل.
من ساعة ما وعدني إنه هيديني معاشه كامل وأنا ارتحت.
ربنا يخليهولي.
بصيت لحسن.
كان مكسوف يرفع عينه في عيني.
قلت بمنتهى الهدوء
الحمد لله.
المهم تكوني مبسوطة.
قالت وهي بتشرب الشاي
والله كنت بفكر الشهر الجاي أغير العفش القديم... وربنا يسهل كمان يمكن أعمل عملية لركبتي.
حسن اتخض.
واضح إنه أول مرة يعرف إنها بدأت ترتب حياتها كلها على أساس الفلوس دي.
خرجت الست بعد ساعة.
وأول ما الباب اتقفل...
لف حسن ناحيتي بسرعة.
لازم أكلمها.
قلت
ليه؟
مش هقدر أكمل كده.
ابتسمت.
بس دي قالت إنها بدأت تعتمد على الفلوس.
لو رجعت في كلامك هتزعل منك.
مش إنت كنت بتقول الراجل لازم كلمته تبقى واحدة؟
سكت.
وقعد على الكنبة وهو حاطط إيده على راسه.
أول مرة أحس...
إنه بدأ يدوق طعم القرارات اللي كان بياخدها من غير ما يفكر فيا.
وفي آخر الشهر...
وأنا قاعدة في أوضة النوم، جالي إشعار من البنك.
معاشي نزل.
فتحت تطبيق البنك.
وبعدها بدقيقة واحدة...
حجزت رحلة سياحية لمدة خمسة أيام لأسوان.
شاملة الفندق والرحلات النيلية.
وبعدين دخلت الصالة.
حسن كان بيتفرج على الأخبار.
قلتله بابتسامة
على فكرة...
أنا مسافرة الأسبوع الجاي.
رفع راسه بسرعة.
مسافرة؟!
أيوه.
وسيباني لوحدي؟
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت
متقلقش.
إنت راجل.
وبعدين...
العيلة تساعد بعضها.
اطلب من أرملة أخوك تبعتلك أكل كل يوم.
أكيد مش هتسيبك.
الجزء الرابع
فضل حسن يبصلي كأنه مش مستوعب اللي سمعه.
قال وهو واقف فجأة
يعني إيه أسوان؟ وإيه يعني هتقعدي هناك خمس أيام؟
قفلت شنطتي بهدوء.
هقعد أرتاح... وأتفسح.
وتسيبي البيت؟
هو البيت هيطير؟
سكت ثانية، وبعدها قال بنبرة كلها ضيق
طب وأنا هآكل إيه؟
ابتسمت.
افتح التلاجة.
فتحها.
لقى علبتين جبنة، شوية خضار، بيض، ورغيفين عيش في الفريزر.
قال وهو متضايق
ده أكل يومين!
والباقي انزل اشتريه.
ومنين؟
بصيتله باستغراب مصطنع.
من معاشك.
أول ما قلتها...
افتكر إن معاشه كله راح لأرملة أخوه.
وشه اتغير.
قعد على الكرسي من غير ولا كلمة.
تاني يوم الصبح...
وصلت أسوان.
أول مرة من سنين طويلة أسافر وأنا مش شايلة هم حد.
لا بطبخ.
ولا بغسل.
ولا برد على طلبات حد.
صحيت على منظر النيل.
شربت القهوة في البلكونة.
وبعت صورة لصاحبتي في الجامعة.
وبعدين نزلت أركب مركب في النيل.
أما في البيت...
فكان الوضع مختلف تمامًا.
أول يوم، حسن طلب أكل دليفري.
تاني يوم، طلب برضه.
تالت يوم، بص في محفظته...
ما لقاش غير خمسين جنيه.
اتصل بكريم.
يا ابني... ابعتلي شوية فلوس.
كريم اتنهد وقال
يا بابا... أنا أصلًا مستلف من كذا حد.
أنا كنت متعود إن ماما هي اللي تحل أي أزمة.
سكت حسن.
أول مرة يحس...
إن الشخص اللي كان شايل البيت كله، شال إيده فعلًا.
رجعت من السفر بعد خمس أيام.
وأنا طالعة السلم...
لقيت الباب مفتوح.
دخلت.
اتفاجئت بالصالة مكركبة.
المواعين مالية الحوض.
والهدوم متكومة على الكنبة.
أما حسن...
فكان قاعد قدام المروحة، وشكله مرهق جدًا.
أول ما شافني قام بسرعة.
الحمد لله على السلامة.
قلت بابتسامة
الله يسلمك.
وبصيت حواليّا.
واضح إنكم كنتم مبسوطين.
اتكسف.
وقال
كنت مستنيكي.
ليه؟
عشان... يعني... البيت من غيرك...
مكملش الجملة.
قلت
عادي.
كل واحد يشيل مسؤوليته.
بعد العشا...
حسن قعد قدامي.
ولأول مرة من سنين...
صوته كان هادي.
قال
منى... أنا غلطت.
بصيتله من غير ما أتكلم.
قال
طول عمري كنت فاكر إن اللي بتعمليه ده طبيعي.
الأكل طبيعي.
البيت نضيف طبيعي.
الفلوس موجودة طبيعي.
ولما غبتي كام يوم...
عرفت إن مفيش حاجة من دي كانت طبيعية.
دي كانت بسبب تعبك.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
أنا آسف.
دي أول مرة أسمع الكلمة دي منه من يوم اتجوزنا.
لكن الغريب...
إني ما حسيتش بأي انتصار.
بس حسيت براحة.
قلت بهدوء
الاعتذار كويس...
بس لو فضل مجرد كلام، يبقى مالوش قيمة.
هز راسه.
قوليلي أعمل إيه.
قلت
أول حاجة...
من الشهر الجاي، معاشك يرجع بيتك.
ولو حبيت تساعد أرملة أخوك، ساعدها بالمبلغ اللي تقدر عليه بعد ما بيتك يعيش كويس.
تاني حاجة...
كل مصاريف ابنك انتهت.
كريم بقى راجل.
يصرف على نفسه.
وتالت حاجة...
أنا مش هرجع الست اللي كانت عايشة تخدم الكل وتنسى نفسها.
من النهارده...
هيبقى ليا يومين في الأسبوع برا البيت.
وسفرة كل كام شهر.
ومصاريفي أنا قبل أي حد.
حسن نزل راسه وقال
موافق.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب.
فتح حسن.
كان كريم.
دخل وهو متوتر، وبص لأبوه وقال
بابا... عمتي بتقول إن معاش الشهر متأخر، وعاوزة تعرف هتنزلها الفلوس إمتى.
بص حسن عليا...
وبعدين خد نفس طويل.
وقال لأول مرة بصوت ثابت
قول لعمتك...
إني هزورها بكرة.
وفيه كلام لازم يتقال.
الجزء الخامس
تاني يوم الصبح...
لبس حسن قميصه الأبيض، ومسك ظرف بني كان محطوط في درج المكتب.
بصيتله وأنا بشرب القهوة.
قلت
رايح فين؟
قال