يوم خروج عمي ١ حكايات زهرة حصري لمحه
تكة المفتاح في الباب عملت صوت «تك» خفيفة.
في هدوء الليل، الصوت ده خلّى قلبي يضرب جامد.
وقفت مكاني كام ثانية أتأكد إن مفيش حد صحي.
بعدها قفلت الباب بشويش خالص.
نزلت في الأسانسير، وفجأة التليفون اتهز في إيدي.
دي أمي.
«إنت نمت يا حازم؟»
بصيت للشاشة كام ثانية، وكتبت:
«أه يا أمي، نمت.»
أول ما الرسالة وصلت، عملت التليفون «صامت» على طول.
ونزلت ، عربية ابويا كانت مركونة في زاويتها كالعادة.
قعدت ورا الدركسيون فترة من غير ما أدور المحرك.
كلام أبويا كان بيرن في دماغي كان دايما يقولي:
«إعرف إنت واقف مع مين ضد مين... بلاش تخسر نفسك عشان حد ميسواش.»
ساعتها بس فهمت...
أبويا مكنش بيكلمني عن الشغل، كان بيتكلم عن عمي.
شغلت العربية فوىا وبدأت تتحرك بشويش.
وأنا بخرج من بوابة العمارة، البواب صحي وبصلي باستغراب:
«خير يا أستاذ حازم؟ طالع في وقت متاخر كدا ليه؟»
«معلش يا عم جمال... مشوار ضروري »
«توصل بالسلامة يا بيه، طريق السلامة.»
«الله يسلمك.»
المدينة وبهرجتها بدأت تبعد ورايا.
والطريق الصحراوي قدامي ممتد ومفيش فيه حد.
في اللحظة دي، شاشة التليفون نورت.
رسالة من أبويا:
«إنت فين يا حازم؟»
ما رديتش.
بعدها بثواني، أول مكالمة جت.
وبعديها الثانية... والثالثة.
عرفت إنهم دخلوا أوضتي ولقوها فاضية.
قلبت التليفون على ظهره على الكرسي اللي جنبي، وسبته يرن لحد ما يسكت لوحده.
الطريق قدامي كحل مفيش فيه نقطة نور.
بس في عقلي، مفيش غير كلامهم اللي بيرددوه:
«مش رايحين.»
«قلة قيمة.»
«اللي هيروح هناك ملوش مكان في العيلة دي تاني.»
ضحكت بصوت واطي... ضحكة حسرة.
من عشر سنين، اليوم اللي العساكر حطوا الكلابشات في إيده وأخدوه، الكبار كلهم أدو له ظهرهم ولبسوا الوش الخشب.
بس هو... وقف قدامي أنا بالذات.
بصلي وابتسم ابتسامة مكسورة وقال:
«ركز في دروسك يا حازم... واطلع راجل.»
«واوعى تتعلم من الكبار... إنك تبيع في ثانية كدا.»
الجملة دي عاشت معايا وجوايا عشر سنين كاملين.
الساعة كانت واحدة وستة عشر دقيقة بالليل.
جروب العيلة فجأة بقى قايد نار رسائل.
أبويا كتب:
«حازم مش في البيت.»
الجروب اتقلب في ثواني.
عمتي كانت أول واحدة ترد بذعر:
«يكون راح يستنى هشام على باب السجن؟!»
عمي الكبير عمال يبعت:
« كلموه يرجع فوراً! خلوه يلف ويرجع!»
وأمي باعتة فويسات ورا بعض.
ما فتحتش ولا واحد فيهم.
بعديها بثواني، جالي مسج خاص من أبويا، كلمتين وبس:
«لو كملت في السكة دي يا حازم... اعتبر نفسك مفيش ليك بيت ترجع له تاني.»
الكلمتين بتوع أبويا نزلوا عليا زي المية الساقعة، بس في نفس الوقت شعللوا النار جوايا أكتر. "اعتبر نفسك مفيش ليك بيت ترجع له ثاني"... هو للدرجة دي؟ للدرجة دي الخوف من طيف "هشام" يخلي أبويا يبيع ابنه في لحظة؟ مسكت الدركسيون بقوة لحد ما مفصل إيدي ب doعت، ودست بنزين. العربية جريت على الصحراوي كأنها هي كمان تهرب من الخوف اللي معشش في العيلة.
طول الثمانمية كيلو، الليل كان بيعدي بطيء وثقيل. الراديو مكنش شغال غير بوش خفيف، وأنا كل محطة بنزين أقف عندها أفوّل العربية وأشرب قهوة عشان عيني ما تقفلش. عمتي، أبويا، عمي الكبير.. كلهم كانوا بيحاولوا يتصلوا، وفي الآخر لما لقوا مفيش فايدة، الاتصالات وقفت. الهدوء اللي جه بعد العاصفة دي كان مرعب أكتر من الرسائل نفسها.
وصلت قدام السجن العمومي على الساعة سبعة وربع الصبح. الشمس كانت لسة بتشق طريقها بالعافية وسط شبورة خفيفة مغطية المكان. أسوار عالية، أسلاك شائكة، وحراس واقفين بأبراج المراقبة. يرعب أي حد بيبص له من برة. ركنت العربية على جنب، ونزلت. حطيت إيدي في جيبي ووقفت وسط كام عيلة كدة واقفين يستنوا أهاليهم.. ناس شكلها مهدود، وعيونها فيها دموع الخوف والرجاء.
الساعة جات تمانية بالظبط. الباب الحديدي الكبير بدأ يتحرك بصوت صرير يوجع الضرس. قلبي بدأ يدق في قفصي الصدري زي الطبلة. خرج واحد، وبعديه اثنين.. حضن ودموع وصرخات فرحة. وأنا عيني معلقة على العتبة.
وفجأة.. خرج هو.
عمي هشام.
مكانش الشاب الرياضي اللي كان بياخدني على كتفه ويرميني في الترعة. شعر رأسه بقى أبيض خالص زي القطن، ظهره منحني حبة، ولابس قميص أسود واسع عليه، في إيده شنطة قماش قديمة ومتهالكة. وشـه مكرمش، وعينيه غرقانة في الحزن والكسرة.
أول ما شفته، نسيت التعب، نسيت الثمانمية كيلو، ونسيت تهديد أبويا. جريت عليه بلهفة والشوق يوكل في قلبي، وصرخت بصوت عالي:
«عمي هشام!!»
وقف مكانه. بصلي.. عينه جت في عيني.
أنا كنت متوقع إنه يدمع، يترمي في حضني، يقولي "كبرت يا حازم"، يطبطب عليا ويقولي "أصيل يا ابن أخويا"..
بس اللي حصل كان صدمة شلتني في مكاني