بعد طلاقي

لمحة نيوز

 

وإنهم أخيرًا يخلفوا ويعملوا العيلة اللي أجلوا تكوينها سنين.

أكتر من مرة كانت هتضعف.

لكن كل ما تتردد، تفتح التقرير.

وتشوف التوقيعات.

فتفتكر كل حاجة.

استنت لحد ما الطلاق بقى رسمي.

وبعدها ضربت ضربتها.

⸻

في نفس الليلة، كانت ياسمين بتفتح الكراتين في الشقة الصغيرة اللي أجرتها في مدينة نصر.

فجأة، حد خبط على الباب بعنف لدرجة إن الجيران فتحوا أنوار شققهم.

فتحت.

كانت سهير.

الست اللي عمرها ما ظهرت قدام حد إلا وهي في كامل أناقتها، كانت واقفة وشعرها منكوش ووشها أحمر من العصبية.

صرخت:

—هترجعي الـ27 موظف شغلهم حالًا!

ياسمين وقفت عند الباب.

—اتفضلي امشي من بيتي.

—دول ناس عندهم بيوت! عندهم عيال عايشة من المرتبات دي!

ردت ياسمين:

—وأبويا عنده عيلة برضه. وإنتوا بقالكم 6 سنين بتسرقوه.

سهير اتجمدت.

ثانية واحدة بس.

لكن ياسمين شافت الخوف في عينيها.

قالت:

—إنتِ مش عارفة إنتِ بتقولي إيه.

ردت ياسمين:

—عارفة إن شركة النيل كانت بتاخد فلوس مقابل مخزن مش موجود. وعارفة إن مروان وافق على أكتر من 300 فاتورة مزورة. وعارفة إن الفلوس في الآخر كانت بتوصل لحسابات ليها علاقة بيكي.

سهير وطت صوتها فجأة.

—شريف لسه بيحبك. إحنا ممكن نحل كل ده. ارجعي لجوزك، رجعي الناس شغلهم… وننسى أخطاء الماضي.

ياسمين كانت هتضحك.

من ثواني الست دي كانت بتهددها.

ودلوقتي بتحاول تلعب دور الأم الحنينة.

قالت:

—طلاقي نهائي.

وسكتت لحظة.

—وقرار فصلهم نهائي برضه.

صرخت سهير:

—هدمرك في المحاكم!

ردت ياسمين بهدوء:

—اعمليها.

سهير سكتت.

ياسمين كملت:

—لأن أول ما ترفعي قضية، تقرير المحاسبة الجنائية هيبقى ضمن أوراق القضية… وساعتها الجهات المختصة ممكن تراجعه كله.

وش سهير فقد لونه.

قالت:

—إنتِ مش عندك الجرأة تفضحي عيلة جوزك السابق وتبلغي عنهم.

ياسمين بصتلها بثبات.

—إنتِ عمرك ما اعتبرتيني من عيلتك أصلًا.

وقفلت الباب في وشها.

لكن اللي ياسمين ما كانتش تعرفه…

إن بعد أقل من ساعة من خروج سهير من عندها، أبوها هيتصل بيها ويقول لها إن الأمن لقى واحد من الـ27 موظف لسه مستخبي جوه الشركة.

وإنه ماكانش بيحاول يسرق ملفات.

كان بيحاول يوصل لخزنة قديمة في مكتب الحاج محمود.

ولما الأمن فتح الشنطة اللي معاه…

لقوا جواها عقود ملكية وأسهم أصلية باسم شخص واحد.

شريف… جوز ياسمين السابق.

والتاريخ المكتوب على العقود كان قبل جوازهم بسنين.


وقفت ياسمين في نص شقتها بمدينة نصر، الموبايل على أذنها وصوت أبوها الحاج محمود بيترعش من الصدمة:
— ياسمين... تعالي على الشركة فوراً. الولد اللي الأمن مسكه هو "كريم"، ابن أخت سهير... والشنطة اللي كانت معاه فيها عقود خلت عقلي هيطير!
ركبت عربيتها وطارت على مقر الشركة في شيراتون. أفكارها كانت بتتخبط؛ "شريف؟ عقود وأسهم باسم شريف من قبل ما نتجوز؟ إزاي ده حصل والشركة دي أبويا بانيها بشقاه من سنة 1987؟"
أول ما وصلت لمكتب الحاج محمود، لقيت كريم قاعد ومكلبش في إيده أفراد الأمن، ووشه جايب ألوان. وعلى المكتب كان فيه ملف أصفر قديم، أوراقه مصفّرة من الزمن.
أبوها بصلي وقال بصوت مخنوق وهو بيمسك العقود:
— اقري دي يا ياسمين... اقري اللعنة اللي كنا عايشين فيها.
مسكت الأوراق، وبدأت أقرأ والذهول بياكل في قلبي.
الأوراق مكنتش مجرد أسهم... دي كانت عقود "شراكة ومداينة" قديمة جداً ترجع لسنة 1998! بين الحاج محمود وبين والد شريف (الله يرحمه)، "توفيق الدمنهوري"!
في الوقت ده، لما كانت الشركة لسه بتكبر، الحاج محمود مر بأزمة مالية طاحنة وكان هيقفل المخزن ويضيع كل حلمه. توفيق الدمنهوري ضخ مبلغ كبير جداً في الشركة مقابل 40% من أسهم المجموعة، على أن تُكتب الأسهم دي باسم ابنه الصغير "شريف" لما يوصل للسن القانوني!
لكن توفيق الدمنهوري اتوفى فجأة قبل ما يعلن الشراكة دي رسمياً في الأوراق الرسمية للهيئة، وسهير الدمنهوري خبت الأوراق الأصلية، وسابت الحاج محمود يرجع وقوفه على رجله ويتوسع ويكبر المجموعة بالملايين... واستنت لحد ما شريف يكبر، وزقته عشان يتجوز ياسمين!
أبويا قعد على الكرسي وغطى وشه بإيديه:
— أنا مكنتش ناسِي الدَيْن يا ياسمين... بس توفيق الله يرحمه قبل ما يموت قاللي إن الفلوس دي كانت هدية ودعم، والأوراق اللي بيننا اتقطعت! مكنتش أعرف إنه كتب عقد شراكة واستحقاق لأسهم وركنه في خزنتي القديمة اللي محدش بيفتحها غيري... سهير كانت عارفة بمكان الخزنة دي وعارفة السر!
في اللحظة دي، ياسمين جمدت ملامحها وقربت من كريم، وسألته بصوت حاد كالسكين:
— سهير بعتتك تاخد العقود دي ليه دلوقتي بالذات؟
كريم بلع ريقه وهو بيترعش وقال:
— عشان... عشان شريف مكنش يعرف! الست سهير هي اللي كانت مدبرة كل حاجة من زمان. هي اللي جوزت شريف ليكي عشان تضمن إن الثروة تفضل جوه العيلة بالحب، ولما يجي الوقت المناسب تطلع العقود دي وتطالب بـ 40% من أسهم مجموعة المنشاوي بأثر رجعي لـ 15 سنة فوايد ومكاسب! ولما ياسمين طلبت الطلاق والـ 27 موظف اتطردوا... سهير خافت إن المحاسبة الجنائية تفتح الخزنة القديمة وتوصل للعقود وتستغلها ضدها أو تحسبها اختلاس!
ياسمين بصت لأبوها وقالت بثبات غريب:
— يعني هما مكنوش بس بيسرقوا 74 مليون... هما كانوا محضرين يبتلعوا الشركة كلها! وشريف كان مجرد أداة في إيد أمه، أو كان بيمثل عليا دور المغفل وهو عارف كل حاجة!
تليفون ياسمين رن... كان "شريف".
رديت وفتحت السماعة السبيكر قدام أبويا وأفراد الأمن:
— أيوه يا شريف.
جالي صوته وهو بينهج وبيعيط:
— ياسمين... أنا قدام شقتك في مدينة نصر ومحدش بيرد! ياسمين أرجوكي اسمعيني... أمي كانت جاية عندك امبارح؟ أمي كانت بتعمل إيه؟
— أمك كانت جاية تساومني... بس خطتكم فشلت يا شريف. كريم مسكناه في الشركة وهو بيحاول يسرق عقود الشراكة القديمة من خزنة أبويا.
شريف سكت لحظة، وصوته اتغير للصدمة:
— عقود إيه؟... عقود شراكة إيه؟ ياسمين والله العظيم أنا ما أعرف حاجة عن أوراق أو خزنة! أمي قالتلي إن أبوكي هو اللي أكل حق أبيا زمان ورفض يديله نصيبه!
— (زعقت ياسمين) أمك هي اللي سرقتنا! أمك دخلت 27 حرامي الشركة يمتصوا دم أبويا، وكانت ناويين تاخدوا 40% من شقى عمر الراجل ده اللي بناه بعرقه! إنت وأمك مش هتشوفوا الشارع تاني!
شريف صرخ:
— ياسمين لا! أرجوكي ما توديش أمي في داهية! أنا مستعد أتطرد، ومستعد أتنازل عن أي حق، بس بلاش البلاغ!
ياسمين بصت لأبوها، الحاج محمود هز راسه بأسى وكسرة نفس، وقال بصوت واطي:
— الدّيْن اللي كان عليا لأبوه أنا هسدده بسعر النهاردة بالقرش... لكن السرقة والغل والحقد ده، القانون هو اللي يحكم فيه.
ياسمين قالت لشريف ببرود قاتل:
— الملفات وبلاغ النائب العام بخصوص الـ 74 مليون واتهامات الاستيلاء والتزوير اتقدمت بالفعل من نص ساعة. البوليس في طريقه لشقة أمك دلوقتي يا شريف... وأنت لو ليك حق خده بالقانون، بس حق أبويا مش هسيبه.
قفلت السكة في وشه.
بعد مرور 8 شهور...
صدر الحكم القضائي النهائي في قضية شبكة الاختلاس بمجموعة المنشاوي:
* حبس سهير الدمنهوري ومروان وكريم و5 متهمين رئيسيين بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات مع إلزامهم برد الـ 74 مليون جنيه وغرامة مساوية للمبلغ.
* رد باقي الموظفين الـ 27 للمبالغ التي تم صرفها بدون وجه حق مع إنهاء خدمتهم بشكل نهائي ومنعهم من شغل أي مناصب إدارية.
* بالنسبة لـ شريف؛ أثبتت التحقيقات عدم علمه المباشر بتفاصيل التزوير، لكنه خسر كل ثروته وسُمعته في السوق، واضطر يبيع كل ما يملك عشان يسدد ديون أمه والقضايا المرفوعة عليها.
أما ياسمين المنشاوي... فقفت في نفس المكان في شبرا الخيمة، جنب المخزن القديم اللي أبوها بدأ منه سنة 1987، وبصت للوحة الشركة الجديدة اللي اتكتب عليها بخط عريض:
"مجموعة المنشاوي للحديد والصلب — تأسست بالعرق والنزاهة"
أبوها مسك إيدها وقالها:
— كبرتيها وحافظتي عليها يا بنتي... زي ما قلتلك من زمان.
ابتسمت ياسمين بثقة وهي ماسكة ملفات التوسع الجديد للشركة، وعرفت إن الـ 8 سنين اللي ضاعوا مكنوش خسارة... كانوا الدرس اللي خلي قلبها أقوى من الحديد اللي شركتهم بتبنيه.
تمت بحمد الله.
 

تم نسخ الرابط