عمل حماتي حكايات الهواري

لمحة نيوز


وتحكي تفاصيل قديمة أكدها كبار البلد. لدرجة إن الناس بدأت تخاف منها.
وفي ليلة مطر شديدة، خرجت هبة من البيت فجأة.
اختفت.
دورنا عليها في كل مكان.
لحد الفجر.
وأخيرًا لقيناها واقفة جنب البير القديم.
حافية القدمين.
لابسة القميص الأبيض.
وبتبص جوه البير.
قربنا منها بحذر.
وفجأة قالت بصوت هادئ جدًا
الحقيقة تحت الأرض... مش تحت الميه.
وبعدين وقعت مغشيًا عليها.
الكلمات دي خلتنا نفتش في الأرض القريبة من البير. وبعد أيام من الحفر اكتشف العمال صندوق خشبي قديم مدفون من عشرات السنين.
الصندوق كان مليان أوراق ومستندات قديمة تثبت إن الراجل اللي مات زمان اتسلبت حقوقه بالفعل.
وإن ناس كتير شاركت في إخفاء الحقيقة.
لما ظهرت المستندات، اتغيرت حياة عائلات كاملة في البلد.
حقوق رجعت لأصحابها.
وأسرار اتكشفت بعد سنين طويلة.
أما هبة، فبعد العثور على الصندوق بدأت حالتها تتحسن تدريجيًا.
وكأن الحمل اللي كان فوقها اختفى فجأة.
وفي يوم من الأيام، دخلت عليا أوضتي وهي مبتسمة لأول مرة من شهور.
وقالت لي
أنا فاكرة كل حاجة حصلت... بس كأنها كانت حلم طويل.
بصيت لها وسألتها
مين كان بيناديكي؟
سكتت لحظة.
ثم ردت
مش عارفة.
ولما قامت تمشي، وقفت عند الباب وقالت
بس متأكدة من حاجة واحدة...
لو كنتِ لبستي القميص ليلة فرحك... يمكن عمرك ما كنتِ عرفتي الحقيقة.
ومن يومها اختفى القميص الأبيض تمامًا.
دورنا عليه كتير.
فتشنا البيت كله.
ما لقيناهوش.


ولا حد شافه تاني أبدًا.
لكن الغريب إن حماتي قبل وفاتها بسنوات قليلة كانت أحيانًا تصحى من النوم مرعوبة وتقول إنها شافت القميص متعلّق لوحده في آخر الممر.
ولما كنا نسألها إذا كانت متأكدة، كانت ترد بنفس الجملة كل مرة
بعض الأخطاء بتنتهي... لكن أثرها عمره ما بيختفي.
بعد ما رجعت هبة لطبيعتها، حاولت العيلة كلها تنسى اللي حصل. الناس في البلد رجعت لحياتها، والحديث عن الصندوق والأوراق القديمة بدأ يقل يومًا بعد يوم، وكأن الجميع اتفقوا على دفن الذكريات من جديد. لكن الحقيقة إن اللي حصل ما كانش انتهى، بل كان مجرد بداية لشيء أكبر.
مرت شهور، ثم سنة كاملة تقريبًا، وأنا وجوزي عايشين بهدوء لأول مرة منذ ليلة الفرح. هبة بقت أحسن، وحماتي بطلت تتكلم عن الماضي نهائيًا. لكني كنت ألاحظ حاجة غريبة فيها. كانت كل ما تسمع حد يجيب سيرة البير القديم أو الأرض اللي اتدفن فيها الصندوق، يتغير لون وشها وتسكت فجأة.
وفي إحدى الليالي، صحيت على صوت خبط خفيف جدًا على باب أوضتي.
فتحت عيني.
بصيت للساعة.
كانت الثالثة فجرًا.
الخبط اتكرر.
قمت وأنا متوترة وفتحت الباب بسرعة.
لكن الممر كان فاضي.
مافيش حد.
قفلت الباب ورجعت السرير.
وبمجرد ما حطيت راسي على المخدة سمعت نفس الخبط من جديد.
المرة دي كان جاي من ناحية أوضة التخزين القديمة.
الأوضة دي كانت مقفولة من يوم ما اتجوزت.
حماتي نفسها كانت رافضة حد يدخلها.
صحيت جوزي.
راح معايا.
فتحنا
الباب.
الأوضة كانت مليانة كراتين وأثاث قديم.
وكل حاجة فيها مغبرة كأن محدش لمسها من سنين.
لكن وسط التراب كله كان في شيء غريب.
أثر أقدام.
واضح جدًا.
وكأن شخص دخل الأوضة قبل دقائق فقط.
تبادلنا النظرات.
وجوزي قال
أكيد حد من العيال دخل يلعب هنا.
لكن مافيش أطفال أصلًا في البيت.
ومافيش أي تفسير للأثر.
حاولنا ننسى الموضوع.
لكن بعدها بأيام حصل شيء أخطر.
حماتي اختفت.
خرجت الصبح تشتري بعض الحاجات وما رجعتش.
دورنا عليها في كل مكان.
المستشفيات.
الأقسام.
عند الأقارب.
ولا أي أثر.
اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها.
استمر البحث أسبوع كامل.
وفي اليوم الثامن رجعت لوحدها.
ماشية على رجليها.
هدومها نظيفة.
وشكلها طبيعي.
لكنها كانت مختلفة.
مختلفة جدًا.
أول ما دخلت البيت، بصت حوالين المكان وكأنها أول مرة تشوفه.
ثم سألت
إحنا فين؟
افتكرنا إنها بتهزر.
لكنها ما كانتش بتهزر.
كانت فاقدة جزء كبير من ذاكرتها.
ما كانتش فاكرة الأيام اللي اختفت فيها.
ولا فاكرة راحت فين.
ولا حتى فاكرة تفاصيل كثيرة من حياتها.
الأطباء قالوا إن الأمر ممكن يكون بسبب صدمة نفسية.
لكن اللي حصل بعد كده خلانا نشك في كل شيء.
بعد رجوعها بأسبوع، بدأت تكتب.
في أي ورقة تقع تحت إيديها.
على الجرائد.
على الكشاكيل.
حتى على الحيطان أحيانًا.
جملة واحدة.
تكررها عشرات المرات
ما فتحوش الباب التاني.
ولما نسألها تقصد إيه، كانت تقول إنها لا تعرف.
ومرة بعد مرة بدأت
الجملة تتكرر بشكل مرعب.
ما فتحوش الباب التاني.
ما فتحوش الباب التاني.
ما فتحوش الباب التاني.
لحد ما في يوم قررت أفتش أوضة التخزين القديمة لوحدي.
كنت مقتنعة إن في حاجة مستخبية هناك.
وأثناء نقل الكراتين، اكتشفت لوح خشب غريب في الأرض.
كان مختلف عن باقي الأرضية.
لما رفعناه، لقينا تحته فتحة ضيقة.
وسلم حجري نازل لتحت.
أنا وجوزي وقفنا نبص لبعض.
ولا واحد فينا كان يعرف إن فيه مكان بالشكل ده تحت البيت.
حتى هبة أقسمت إنها عمرها ما سمعت عنه.
نزلنا بحذر.
والهواء كان تقيل جدًا.
في آخر السلم لقينا غرفة صغيرة.
جدرانها حجرية.
وفيها صندوق حديدي قديم.
الصندوق كان مقفول بقفل صدئ.
فتحناه بصعوبة.
ولما اتفتح...
لقينا مجموعة دفاتر ورسائل قديمة.
كلها تخص جد جوزي.
الرجل اللي أسس البيت والعيلة كلها.
قعدنا نقرأ الساعات.
وكل صفحة كانت تكشف سرًا جديدًا.
اكتشفنا إن الأرض اللي بني عليها البيت لم تكن ملك العيلة أصلًا.
وإن في نزاعات قديمة جدًا تم إخفاؤها.
لكن أخطر شيء كان رسالة مكتوبة بخط مرتعش في آخر دفتر.
كان مكتوب فيها
إذا وصل أحفادي إلى هذه الرسالة، فاعلموا أن الحقيقة التي أخفيتها لم تكن خوفًا على نفسي... بل خوفًا عليكم.
وتحتها سطر واحد فقط.
العدو لم يكن خارج البيت يومًا.
الجملة دي قلبت كل حاجة.
بدأنا نراجع الماضي كله.
كل الأحداث.
كل الأشخاص.
كل الأسرار.
وسألنا أنفسنا سؤالًا مرعبًا
إذا كان العدو داخل البيت... فمن
هو؟
ومنذ تلك الليلة بدأت الشكوك تدور حول الجميع.
والمفاجأة الكبرى لم تكن في الرسالة.
ولا في الصندوق.
ولا في الغرفة السرية.
المفاجأة كانت أن هبة
 

تم نسخ الرابط