قبل الفرح
صاحب الدكان كان ينظر إلينا بذهول.
قلت ببطء
إنت فين؟
أجاب فورًا
في مكتبك.
عقدت حاجبي.
مكتبي؟
أيوة.
ثم أضاف
وتعالوا بسرعة... لأن في شخص سبقكم للحقيقة.
أغلق الخط.
وصلنا الشركة بعد ساعات.
كان الليل قد انتصف.
المبنى كله مظلم.
إلا مكتب واحد في الطابق الأخير.
مكتب المحامي.
صعدنا.
دقات قلبي كانت تتسارع مع كل درجة.
فتحت الباب.
فوجدت الأستاذ كمال جالسًا خلف المكتب.
لكن ملامحه لم تكن طبيعية.
كان شاحبًا.
ومرهقًا.
وأمامه ملفات كثيرة مفتوحة.
وبجواره حقيبة سفر صغيرة.
كأنه يستعد للرحيل.
أول ما دخلنا قال
اقفلوا الباب.
نفذت طلبه.
ثم نظر إلى ياسر.
ثم إلى مصطفى.
ثم إلى فاطمة.
وأخيرًا إليّ.
وقال
قبل ما أتكلم... لازم تعرفوا إن أغلب اللي صدقتوه الأيام اللي فاتت كان نصف الحقيقة فقط.
جلست أمامه.
اتكلم.
أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
ووضعه على المكتب.
ده مفتاح خزنة موجودة في فرع قديم من فروع البنك.
سألته
وفيها إيه؟
رد
الحقيقة.
ثم تنهد.
وقال
زمان... كان فيه رجل أعمال كبير جدًا متورط في شبكة تزوير المواليد.
مين؟
رفع عينيه نحوي.
ثم قال الاسم.
وفي اللحظة نفسها شعرت أن الدم هرب من وجهي.
لأن الاسم كان
عبد الحميد السيوفي.
والدي.
أبي.
الرجل الذي بنيت حياتي كلها على سمعته.
نهضت من مكاني بعنف.
مستحيل!
لكن الأستاذ كمال لم يتراجع.
أنا عارف إن الكلام صعب.
ثم فتح ملفًا قديمًا.
وأخرج منه مستندات مختومة.
وقال
أبوك لم يكن مجرد شاهد على ما حدث... كان أحد ممولي الشبكة.
ساد صمت ثقيل.
فاطمة جلست كأنها فقدت القدرة على الحركة.
أما مصطفى وياسر فكانا مذهولين.
ثم أكمل المحامي
لكن ده مش أخطر سر.
نظرت إليه.
لسه فيه أخطر؟
هز رأسه ببطء.
ثم أخرج صورة أخيرة من الملف.
وضعها أمامنا.
نظرنا إليها جميعًا.
وفي ثوانٍ...
اختفى الهواء من الغرفة.
لأن الصورة كانت حديثة.
التُقطت منذ أقل من سنة.
وكان فيها رجل يجلس في مقهى.
وبجواره شخص آخر.
الشخص الأول كان الأستاذ كمال نفسه.
أما الشخص الثاني...
فكان الرجل الغامض الذي يفترض أنه مات في حريق البيت قبل عشر سنوات.
محمود السيوفي.
وكان حيًا حدقت في الصورة غير مصدق.
حي؟!
خرجت الكلمة من فمي بصعوبة.
المحامي كمال أومأ برأسه.
أيوة... حي.
مصطفى أمسك الصورة بسرعة.
يبقى الراجل اللي قالوا إنه مات في الحريق...
قاطعه كمال
ما ماتش.
ثم أضاف
البيت اتحرق فعلًا، لكن محمود اختفى قبل الحريق بيومين.
ساد الصمت.
ياسر سأل
ليه يختفي كل السنين دي؟
تنهد كمال.
ثم فتح درج مكتبه.
وأخرج ظرفًا قديمًا.
كان عليه آثار ماء واصفرار الزمن.
وقال
عشان كان بيهرب.
من مين؟
رفع عينيه نحوي مباشرة.
من الشخص اللي سرق منه حياته.
شعرت بانقباض في صدري.
تقصد إيه؟
أخرج من الظرف صورة أخرى.
كانت بالأبيض والأسود.
صورة لطفلين رضيعين.
وعلى ظهرها تاريخ قديم.
ثم قال
محمود كان طول عمره مقتنع إنه الطفل الحقيقي لعيلة كبيرة.
وأثبت ده؟
لا.
أمال؟
أجاب بهدوء
لأنه اكتشف الحقيقة متأخر جدًا.
ثم فتح الملف الأخير.
وفيه عشرات الأوراق.
تحليل دم.
خطابات.
شهادات.
وملاحظات بخط يد أشخاص ماتوا منذ سنوات.
وبين الأوراق كلها...
ورقة واحدة كانت مختلفة.
ورقة صغيرة مطوية بعناية.
ارتجفت يد كمال وهو يفتحها.
وقال
دي الورقة اللي الكل كان بيدور عليها.
اقتربنا جميعًا.
حتى فاطمة وقفت رغم تعبها.
فتح الورقة.
ونظر إليها طويلًا.
ثم أغلق عينيه.
كأنه يتمنى لو لم يقرأها.
قلت بعصبية
قول!
رفع رأسه نحونا.
وفي عينيه شيء من الحزن.
ثم قال
بعد كل التحقيقات... وبعد كل الوثائق... وبعد كل السنين...
سكت.
ثم أكمل
لا يوجد أي دليل نهائي يثبت أن مصطفى أو ياسر أو محمود هو الطفل المفقود.
تجمدنا جميعًا.
إيه؟
الملفات الأصلية اتلفت.
يعني كل ده على الفاضي؟
هز رأسه.
لا.
ثم وضع الورقة أمامي.
كانت تحتوي على سطر واحد فقط.
سطر كتبه مدير المستشفى قبل وفاته.
قرأته بصوت مرتجف
إذا أردتم معرفة الحقيقة، فابحثوا عن السيدة زينب الشناوي.
رفعت رأسي.
مين دي؟
أجاب كمال
القابلة.
قابلة إيه؟
المرأة الوحيدة اللي كانت موجودة ساعة ولادة الأطفال كلهم.
ساد الصمت.
ثم أكمل
والكل كان فاكر إنها ماتت من ثلاثين سنة.
بلعت ريقي.
فاكر؟
أومأ.
لأنها لسه عايشة.
في تلك اللحظة تحديدًا...
رن جرس باب المكتب.
نظرت الساعة.
كانت الثالثة فجراً.
تبادلنا النظرات.
مين ممكن يزورنا في الوقت ده؟
ذهب الحارس ليفتح الباب.
وبعد لحظات عاد.
وجهه شاحب.
وعيناه متسعتان.
وقال بصوت مرتعش
في ست عجوز تحت...
صمت
ثم أكمل
بتقول اسمها زينب الشناوي.
وكانت تحمل في يدها ملفًا أحمر قديمًا، وتقول إنها جاءت أخيرًا لتخبرنا بالحقيقة كلها نظرنا إلى بعضنا في ذهول.
الثالثة فجرًا.
وبعد ساعات من البحث والملفات والصناديق والأسرار...
تظهر المرأة التي كنا نبحث عنها من غير موعد؟
قال المحامي كمال بصوت خافت
طلعوها فوق.
بعد دقائق، فُتح الباب.
ودخلت سيدة عجوز تتكئ على عصا خشبية.
شعرها أبيض بالكامل.
ووجهها مليء بتجاعيد السنين.
لكن عينيها...
كان فيهما شيء غريب.
شيء يدل على أنها جاءت وهي تعرف بالضبط لماذا نحن هنا.
وضعت الملف الأحمر على المكتب.
ثم نظرت إلى فاطمة.
وظلت تحدق فيها لثوانٍ طويلة.
وفجأة سالت دمعة من عينها.
وقالت
سامحيني يا بنتي.
ارتعشت فاطمة.
أما أنا فشعرت بأنفاسي تتسارع.
جلست العجوز ببطء.
وقالت
أنا تعبت من حمل السر ده.
ثم فتحت الملف.
أخرجت صورة قديمة لغرفة ولادة.
وأخرجت بعدها سجلًا صغيرًا.
كان أقدم من كل الأوراق التي رأيناها.
قالت
الليلة دي كان فيها ثلاث ولادات.
أشارت إلى السجل.
واحدة لفاطمة.
وواحدة لسيدة اسمها نعيمة.
وواحدة لسيدة اسمها ليلى.
ساد الصمت.
ثم أضافت
التبديل حصل فعلًا.
شهقت فاطمة.
لكن العجوز رفعت يدها.
استني... لسه ما خلصتش.
فتحت السجل على صفحة معينة.
وقالت
بعد الولادة بساعات، حصلت مشاجرة كبيرة داخل المستشفى.
بسبب إيه؟
بسبب طفل.
كلنا اقتربنا أكثر.
ثم قالت
ناس أصحاب نفوذ كانوا عايزين الطفل ده يختفي من السجلات.
شعرت بقلبي يخبط بقوة.
ليه؟
أغمضت عينيها للحظة.
ثم قالت
لأن الطفل كان وارثًا لثروة ضخمة جدًا.
ساد الصمت.
حتى صوت المكيف اختفى من إحساسنا.
ثم أكملت
وفي الفوضى اللي حصلت... اتبدلت الأساور الطبية.
مصطفى سأل بسرعة
يعني مين ابن مين؟
العجوز نظرت إليه طويلًا.
ثم إلى ياسر.
ثم إلى فاطمة.
ثم قالت
أنا عارفة الحقيقة.
قفزنا جميعًا تقريبًا من أماكننا.
لكنها لم تكمل.
بل أخرجت ظرفًا صغيرًا مختومًا بالشمع الأحمر.
ووضعته أمام فاطمة.
وقالت
أنا احتفظت بده سبعة وثلاثين سنة.
أخذته فاطمة بيدين مرتعشتين.
كسرنا الختم.
فتحنا الورقة.
وبداخلها اسم واحد فقط.
اسم الطفل الحقيقي.
الاسم الذي سينهي كل شيء.
بدأت فاطمة تقرأ.
وفجأة...
اتسعت
ثم نظرت نحوي بصدمة كاملة.
أما العجوز فأخفضت رأسها وقالت
كنت أعرف أن الصدمة ستكون كبيرة.
مددت يدي نحو الورقة بسرعة.
ونظرت إلى الاسم.
وفي اللحظة نفسها شعرت أن الأرض اختفت من تحت قدمي.
لأن الاسم المكتوب لم يكن
لا مصطفى.
ولا ياسر.
ولا محمود.
بل اسم شخص آخر تمامًا...
شخص كان قريبًا منا طوال هذه السنوات دون أن نشك فيه أبدًا فاطمة سقطت الورقة من إيديها، كأنها فجأة فقدت القدرة تمسك أي حاجة في الدنيا.
أنا لسه عيني على الاسم.
وبرغم إن دماغي رافضة تصدق، إلا إن الخط واضح، قاطع، نهائي
كمال عبد الرحمن
المحامي.
اللي قاعد قدامنا.
اللي كتب كل العقود.
واللي قال لنا من شوية إن الحقيقة لسه مخبية.
رفعت عيني ببطء.
لقيته باصص للورقة.
مش مصدوم.
مش مرعوب.
بس هادي جدًا
هدوء مش طبيعي.
قال بصوت منخفض
أخيرًا...
مصطفى قام من مكانه بعنف
إيه الكلام ده؟! إنت بتهزر؟!
لكن كمال ما ردش عليه.
بص لفاطمة وقال
أنا مكنتش عايزك تعرفي بالشكل ده.
فاطمة همست
يعني إيه؟
اقترب خطوة.
أنا الطفل اللي حصل عليه التبديل فعلًا.
سكون.
كأن الصوت اتسحب من الغرفة كلها.
كمال أكمل
واتربيت في عيلة تانية غير عيلتي الحقيقية واتحرمت من كل حاجة كان ممكن أكونها.
بص ليّ.
وإنت يا عبد الحميد كنت جزء من اللي حصل من غير ما تعرف.
حسيت إن صدري اتكتم.
قال
أبوك ما كانش المجرم الوحيد لكن كان الحلقة اللي خلّت كل حاجة تكمل.
فاطمة صرخت
إنت بتقول إيه؟!
كمال ابتسم ابتسامة باهتة
بقول الحقيقة اللي سبعٍة وتلاتين سنة وأنا مستني أقولها
ثم فجأة فتح درج المكتب بسرعة.
طلع مسدس صغير.
كلنا تجمدنا.
مصطفى رجع خطوة لورا.
ياسر رفع إيده.
كمال قال بهدوء غريب
الملف اللي عندكم لو اتفتح للنهاية، مش هيكسر عيلة واحدة ده هيكسر البلد كلها.
اقترب خطوة من الشباك.
أنا مش جاي أقتل حد أنا جاي أقفل القصة.
فاطمة بصت له بدموع
تقفلها إزاي؟
نظر لنا جميعًا.
ثم قال جملة واحدة
بحرقها.
وفي لحظة واحدة، رمى الملف الأحمر على الأرض.
وأشعل فيه ولاعة.
النار بدأت تكبر.
المستندات بدأت تختفي.
والحقيقة اللي اتحفرت ٣٧ سنة
بدأت تتحول لرماد قدام عيوننا.
ركضت ناحيةه
إنت بتعمل إيه؟!
بس كان الوقت فات.
آخر حاجة سمعتها منه
وهو بيبص
بعض الحقائق لو ظهرت، مش هتسيب حد يعيش بعدها زي ما كان.
وبعدها
قفل الشباك.
وسكت.
والنار كملت تاكل كل اللي كنا بندور عليه.
ولما وصل الأمن، كان المكتب فاضي.
لا محامي.
ولا ملفات.
ولا حتى أثر حريق.
كأن القصة كلها كانت بتحصل جوا دماغنا بس
بس في درج المكتب كان في حاجة واحدة سابتة.
صورة قديمة.
مكتوب تحتها بخط صغير
الحقيقة ما بتموتش هي بس بتغير صاحبها.