قبل الفرح
قبل الفرح بتلات ساعات، سمعت خطيبته وهي بتحط أمير وغراء شديد من بتاع الخشب على الكرسي بتاع مراتي العيانة. وابني، ضهري وسندي، واقف على الباب بيحرسها وبيضحك. ما صرختش، وما ألغيتش حاجة. كل اللي عملته إني بدلت كروت الأسامي... وقعدت أستنى العروسة وهي بتحاول تقف قدام متين معزوم.
حطي كمان على الحروف يا حبيبتي، أنا عايز أمي تلزق وماتعرفش تتحرك خالص.
ده الكلمتين اللي ابني قالهم.
ابني الوحيد.
قبل تلات ساعات بس من كتب كتابه وفرحه.
كنت واقف ورا الستارة القطيفة في القاعة الكبيرة بتاعت الفندق، بدلتي في إيدي وروحي بتتقطع حتتين. في الأول قلت يمكن سمعت غلط. الواحد دايما بيخلق لأبنه ألف عذر في دماغه، حتى لو عينه شافت الخيانة عياناً بياناً.
أنا اسمي الحاج عبد الحميد، عندي سبعة وستين سنة. بقالي اتنين وأربعين سنة ببني عمارات، ومولات، وبيوت لناس ميعرفوش سيخ الحديد المبلول وزنه كام. بدأت من الصفر، كنت بشيل شكاير الإسمنت على كتفي في المعادي، ولفت الأيام وبقى عندي شركة المقاولات بتاعتي.
في الشغلانة دي اتعلمت حاجة واحدة العمارة قبل ما تقع بتبعتلك إشارة. شرخ في الحيطة. تزييقة في السقف. باب مبيقفلش كويس. أو ابن مبيحطش عينه في عين أمه.
مراتي، الحجة فاطمة، كانت في البيت بتخلص لبسها. كانت شارية فستان أزرق هادي بكم واسع عشان يدراي آثار العمليات والعلاج الطبيعي. من أربع شهور اتزحلقت في الحمام وحوضها اتكسر. الدكتور قالها كلمة واحدة بلاش حركات مفاجئة، وبلاش وقعات. خبطة واحدة تانية وممكن ماتمشيش على رجليها تاني طول العمر.
بس كانت فرحانة. ابننا بيتجوز النهاردة يا عبد الحميد، قالتلي الصبح وهي بتبتسم وبتاخد بالها من بروش لولي رخيص شرياه. حتى لو مابقاش يجي يزورني كتير، برضه ابننا
ما جاليش قلب أرد عليها. لأن مصطفى، ابننا، مابقاش الولد اللي كان بيجيب لها الرز بلبن لما تسخن. بقى راجل لابس بدلة إيطالي بمليون جنيه، وضحكته زي بتوع المجلات، وجواه عار وكسوف من أمه العيانة.
وخطيبته، شاهندة، كانت ألعن وأضل. حلوة وزي الفل من بره، بس قلبها حجر. من نوعية البنات اللي تحضنك قدام الكاميرات وتمسح خدها أول ما تلف وشها. من يوم ما دخلت العيلة وهي مبطلتش تلقيح كلام
طنط فاطمة شكلها تعبان أوي.
هي هتقدر تيجي الفرح من غير ما تعملنا قلق؟
مامي بتقول لازم نحافظ على المنظر العام في صور العيلة.
المنظر العام. ده اللي كانت بتقوله على مراتي. كأن فاطمة دي حتة سجاد قديمة مش لايقة على الديكور.
يومها روحت الفندق بدري عشان أشرف على كل حاجة بنفسي. طبع مقاول، لازم يعاين قبل الاستلام. القاعة كانت تشرح القلب، ورد أبيض، والكاسات مرصوصة زي العساكر، والمفارش لونها سكري. شوفت التربيزة الرئيسية، وعليها كروت الأسامي مكتوبة بماء الذهب. شوفت اسم مراتي الحجة فاطمة. الكارت بتاعها كان محطوط على كرسي في آخر التربيزة. بعيد عني. وبعيد عن مصطفى. مستخبي ورا عمود. اتمغصت، بس ماكنتش لسه عرفت المصيبة الكبيرة.
وفجأة سمعت ضحك. جاي من عند التربيزة الرئيسية. استخبيت ورا الستارة لما ميزت صوت مصطفى.
بسرعة يا شاهندة، لو حد دخل هنروح في داهية.
كانت موطية جمب كرسي فاطمة. في إيدها أنبوبة رمادي. غراء شديد من بتاع الورش. النوع اللي أنا عارفه كويس، اللي مبيطلعش إلا لو طلع معاه القماش، أو الجلد، أو الكرامة. شاهندة فضت الأنبوبة على الكرسي. خط تخين. وبعدين خط تاني. وفتحت التانية وحطت على الحروف كلها.
كده تمام؟ سألته وهي ميتة على روحها من الضحك.
مصطفى ضحك وقال زودي كمان. أنا عايز
رجلي ما شالتنيش. وابني كمل كلامه لما الكل يقف عشان الشربات والتحية، هتيجي تقف ومش هتعرف، ويا إما هدومها تتقطع وتتبهدل من الصدمة أو تقع. وعشان أبويا يفهم بعد كده إننا مش هينفع نجرجرها معانا في حفلات ومناسبات الناس الشيك.
شاهندة ضحكت ضحكة مياعة وقالت يا نهار أبيض يا مصطفى، أنت قاسي أوي.
مش قاسي، أنا واقعي. أمي بقت شبه العفش القديم.
ما خرجتش من ورا الستارة. مش عشان خايف أكسر عضم وشه. ولا عشان معنديش الصحة. وقفت مكاني لأني لمحت حاجة على التربيزة. كروت الأسامي. وتوزيع القعدة. وتليفون شاهندة كان مسنود على كاس وبيسجل فيديو، متوجه للكرسي بالظبط. كانوا عايزين يذلوها. عايزين يصوروا اللقطة ويبهدلوها على النت. كانوا عايزين فاطمةالست اللي باعت صيغتها ودهبها عشان تدفع مصاريف جامعة الباشاتلزق في الكرسي وتكون فرجة للناس زي قرد المولد قدام متين عازم.
شاهندة خلصت وبخت على الكرسي كأنها بتفنش تورتة. أتمنى بس تيجي، قالت. خسارة المجهود ده يضيع ع الأرض.
مصطفى باس راسها وقال بعد النهاردة، أبويا هيفهم إنك أنتِ ست البيت الكبيرة.
في اللحظة دي، ابني مات جوايا.
ماطلعتش نفس. استنيتهم لما مشيوا. وخرجت من ورا الستارة. بصيت للكرسي. وبصيت لكارت مراتي. وبصيت لكارت شاهندة، اللي محطوط في النص، جمب العريس، زي الملكة. وبعدين، عملت الحاجة الوحيدة اللي المقاول القديم بيعملها لما يلاقي عيب قاتل في أساس البيت ما صرختش. ما عاتبتش. ما حذرتش.
أنا عدلت الأساس.
بدلت الكارتين. بس كده.
الحجة فاطمة بقى اسمها جمبي، على كرسي نضيف زي الفل. شاهندة بقى كارتها على الكرسي اللي مجهزاة عشان تكسر بيه مراتي.
كلمت السواق بتاعي يا حسين، لما الحجة فاطمة توصل، تقعدها جمبي أنا.
خير يا حاج عبد الحميد، في حاجة؟
بصيت للغراء وهو بيلمع تحت الإضاءة وقلت النهاردة هنشوف مين اللي هيلزق في شر أعماله.
الفرح كان زي الفل، وده كان أكتر شيء يوجع القلب. فاطمة عيطت من الفرحة ومصطفى بيقول قبلت زواجها. أنا ما عيطتش. مابقاش فيا دموع. كان في إسمنت في صدري. شاهندة مشيت للكوشة زي الأميرات، فستانها منفوش، دانتيل مستورد، ووشها عليه ضحكة ملاك لسه مدهونة حالا. ومصطفى بيبص لها بفخر. أنا ماكنتش شايف غير إيديهنفس الإيدين اللي ماتعشتش وهي بتخطط لذل أمه.
ودخلنا القاعة للاحتفال. الويترز بيصبوا الشربات والعصاير. والمزيكا شغالة هادية. والناس بتضحك. وفاطمة جمبي، فرحانة، ومش دريانة إنها كانت على بعد سنتيمترات من ندالة كانت ممكن تقعدها عاجزة طول عمرها.
الفرح جميل أوي يا عبد الحميد، وشوشتني وهي بتضحك. الحمد لله إني جيت.
ضغطت على إيدها وقلت الحمد لله يا فاطمة. كان لازم تيجي.
على التربيزة الرئيسية، شاهندة كانت قاعدة على الكرسي الغلط. فستانها مغطي كل حاجة. ضهرها مفرود. ووشها منور. ومصطفى عمال يضحك ويهزر مع أصحابه، مش متخيل إن المقلب قعد فيه صاحبه الملك.
وجت اللحظة الحاسمة. المذيع في المايك طلب من الكل يقف عشان يحيوا العرسان في أول نخب للعيلة. الكراسي بدأت تتحرك لورا. الكاسات اترفعت. والتسقيف ملى القاعة.
شاهندة ابتسمت، حطت إيدها على التربيزة، وحاولت تقف.
ماعرفتش.
الضحكة جمدت على وشها. شدت نفسها تاني. مفيش فايدة.
قماش الفستان الدانتيل بدأ يزيق ويتكتك. مصطفى بطل ضحك. شاهندة حاولت للمرة التالتة بكل عزمها، ووشها اتقلب أصفر من الرعب.
مصطفى...
مصطفى... خرج صوت شاهندة مرتعش وهي بتحاول تقوم للمرة الرابعة.
لكن كل محاولة
صوت تمزق خفيف طلع