كانت امي تقول

لمحة نيوز


إذا عاش بالخوف طويلًا يتعلم ينظر للأرض دائمًا.
وهذه الجملة جرحتني أكثر من أي شيء آخر.
اتصلت فورًا بأم قاسم جارة أمي.
امرأة خمسينية تبيع السمبوسة والشاي قرب محطة الباص، وتعرف أخبار الحي كله قبل أن تصل للناس أنفسهم.
قلت لها
أريدك تروحين لبيت أمي حالًا المفتاح تحت أصيص الصبّار جيبي الدفتر الأزرق اللي خلف الصورة.
لم تسألني أي سؤال.
قالت فقط
أنا رايحة هسه وإذا ذلك الحقير موجود هناك، أقسم إني أكسر الصينية فوق رأسه.
وصلت سيارة الإسعاف مع غروب الشمس.
في الخارج كانت أصوات بغداد تختلط ببعضها
زمامير السيارات
باعة الذرة
وصوت المولدات البعيد الذي لا يغيب عن أي مساء.
أمي كانت شاحبة وتتعرق ببرودة، لكن عندما تحركت السيارة أمسكت يدي بقوة.
ثم همست
شوفي
نظرت من النافذة.
في الأفق كان مرقد الإمام موسى الكاظم يلمع تحت السماء البرتقالية الباهتة.
تذكرت كيف كانت تأخذني هناك وأنا صغيرة.
كانت تقول دائمًا إن الإنسان يحمل داخله أشياء أثقل من جسده وإن بعض الناس يعيشون عمرهم كله وهم يخفون صليبهم داخل صدورهم.
في تلك اللحظة فهمت.
أمي كانت تحمل خوفها داخل جسدها نفسه.
في المستشفى تحولت الدقائق إلى حجارة ثقيلة.
أخذوها مباشرة إلى العمليات.
وبقيت أنا في الممر، أمسك شالها الذي ما يزال يحمل رائحة صابون الغار والقرفة والبيت.
جاء شرطيان لأخذ إفادتي.
تكلمت بهدوء غريب لم أعرفه في نفسي من قبل.
ثم رن هاتفي.
سيف.
لم أرد.
بعدها وصلت رسالة
إذا فتحتي فمك أمك راح تطلع من هالمستشفى جثة.
شعرت ببرودة تسري في ظهري.
أريت الرسالة للشرطة فورًا.
أحد الضباط أخذ الهاتف وبدأ يتحدث عبر الجهاز اللاسلكي، ويطلب مراجعة كاميرات المنطقة وتحركات سيف.
لكنني بالكاد كنت أسمع شيئًا.
كل ما كنت أراه هو باب غرفة العمليات.


بعد ساعتين تقريبًا
خرج الجرّاح.
قال
هي بخير.
انهارت ساقاي فورًا.
بكيت كطفلة صغيرة وسط الممر.
أكمل الطبيب
استخرجنا الكبسولة وتم تسليمها رسميًا ولم نفتحها أكثر من اللازم.
وخلفه خرجت امرأة ترتدي قفازات وتحمل كيسًا شفافًا.
داخل الكيس كانت الكبسولة الصغيرة الداكنة
شيء صغير جدًا
لكنه كان قادرًا على تدمير حياة كاملة.
عندما فتحوها أمام الشرطة والجهات المختصة
وجدوا كارت ذاكرة صغيرًا ملفوفًا بالبلاستيك.
وورقة مطوية بصعوبة، تآكلت أطرافها بسبب الرطوبة.
لم أستطع قراءة كل شيء.
لكنني تعرّفت فورًا على خط أمي المرتجف.
إذا صار لي شيء فسيف هو السبب.
تلك الجملة أزالت آخر ذرة شك داخلي.
وصلت أم قاسم قرب منتصف الليل.
كانت تتصبب عرقًا، وشعرها مبعثرًا، وتحمل الدفتر الأزرق تحت عباءتها كأنها تخبئ شيئًا مقدسًا.
قالت فور أن رأتني
شفته.
تجمّد الدم في عروقي.
سيف؟
هزت رأسها.
حاول يدخل البيت لكن الجيران كانوا موجودين. عرف إن الشارع مو فاضي.
تبادل رجال الشرطة النظرات.
وضعت أم قاسم الدفتر فوق الطاولة بحذر.
فتحوه.
وفي الداخل
أسماء.
أرقام سيارات.
تواريخ.
مبالغ مالية.
إيصالات.
وصورة مطبوعة لسيف مع رجل آخر قرب مخازن السوق المركزي.
أمي
بعمر الخامسة والسبعين
وبهاتفها القديم
كانت قد جمعت ملفًا أخطر من ملفات المحققين أنفسهم.
لكن سيف لم يُعتقل بعد.
ظهر عند الثالثة فجرًا.
كنت واقفة قرب ماكينة قهوة بطعم معدني مقرف عندما فتح باب المصعد.
نزل وهو يرتدي نفس قميصه، مجعدًا، وعيناه حمراوان.
لم يعد يمثل الهدوء.
لم يعد يخفي وجهه الحقيقي.
اقترب مني مباشرة.
وقال
أعطيني كارت الذاكرة.
وقفت ببطء.
لم يعد معي.
ابتسم بكره بارد.
دائمًا مطيعة للجميع إلا لزوجك.
أنت لم تعد زوجي.
اقترب أكثر.
بدوني إنتِ لا شيء
يا ليان.
قبل سنوات، كانت هذه الجملة تكفي حتى أخفض رأسي.
لكن تلك الليلة
نظرت نحو الغرفة التي تنام فيها أمي، موصولة بالأنابيب، وتتنفس بصعوبة لكنها ما تزال تقاوم.
ثم قلت
أنا ابنة تلك المرأة وهذا يكفيني.
فجأة أمسك ذراعي بقوة.
الألم أشعل شيئًا ميتًا داخلي منذ سنوات.
لكنني هذه المرة لم أصرخ خوفًا.
صرخت حتى يسمع الجميع
اترك يدي!
ظهر الشرطيان فورًا من آخر الممر.
وسيف حاول الابتعاد
لكن أم قاسم ظهرت من الجهة الثانية وهي تحمل كوب شاي ساخن.
صرخت فيه
والله لو تتحرك خطوة لأحرق وجهك بهذا الشاي يا قليل الأصل!
توقف مكانه.
وأصبح محاصرًا بين الشرطة والحي الذي لم يعد يخافه.
قيّدوه هناك
تحت الضوء الأبيض البارد للمستشفى.
وأثناء أخذه، ظل ينظر إليّ كأنه ما يزال قادرًا على إعادتي إلى الخوف.
قال
راح تندمين.
رفعت ذراعي أمامه.
كانت آثار أصابعه واضحة على جلدي.
ثم قلت
لا أنا فقط بدأت أتذكر من أكون.
استيقظت أمي مع الفجر.
فتحت عينيها ببطء شديد.
اقتربت منها فورًا.
كان صوتها متعبًا وجافًا.
وهو؟
معتقل.
نزلت دمعة صغيرة نحو أذنها.
همست
والكبسولة؟
ابتسمت رغم دموعي.
وقلت
تكلمت يا يمّه.
أغلقت عينيها
وظهرت ابتسامة خفيفة على وجهها.
ثم قالت بصوت واهن
قلتلك جسدي راح يحچي عني بنفسه.
بعد أيام طويلة من التحقيقات والتواقيع والمحامين
اكتشفت أشياء كانت تؤلمني كلما بقيت وحدي.
عرفت أن سيف استخدم اسمي في قروض لم أكن أعرف عنها شيئًا.
وأنه كان قد فتح بوليصة تأمين باسمي.
وأنه حاول تقديم أمي على أنها امرأة تعاني اضطرابات عقلية حتى لا يصدق أحد أي بلاغ تقدمه ضده.
وعرفت أيضًا أن أمي ذهبت ثلاث مرات إلى مركز حماية الأسرة
وفي كل مرة كانت تصل إلى الباب ثم تعود.
خوفًا عليّ.
تلك الفكرة كانت تقتلني.
الأمهات أحيانًا
يتحطمن بصمت وهن يظنن أن هذا يحمي أبناءهن.
وعندما عادت أمي أخيرًا إلى بيتها
كانت شجيرات الياسمين متعبة، لكنها ما تزال حيّة.
أم قاسم كانت قد نظفت الفناء، وسقت النباتات، وتركت قدر مرق فوق الموقد.
وصورة أبي بقيت في مكانها، وبجانبها شمعة جديدة.
أما الدفتر الأزرق
فلم يعد دفترًا عاديًا.
أصبح دليلًا رسميًا.
مشت أمي ببطء نحو كرسيها الهزاز.
وقالت وهي تنظر إلى البيت
توقعت أني ما أرجع.
قلت
وأنا أيضًا.
جلست قرب النافذة.
في الخارج مرّ بائع بطاطا وهو ينادي بصوته المعتاد، ومن بعيد كان صوت القطار يمر فوق الجسر
الحديدي.
بغداد بقيت كما هي
صاخبة.
متعبة.
لكنها مليئة بأناس ينقذون بعضهم دون أن يكتب أحد أسماءهم.
بعد أسابيع
أخذت أمي إلى الكاظمية.
لم نستطع المشي كثيرًا لأن جسدها كان ما يزال يتعافى.
جلسنا قرب الساحة الخارجية، والهواء يحمل رائحة التراب الحار والذرة المشوية ودعوات الناس.
ظلت تنظر أمامها بصمت طويل.
ثم قالت فجأة
أبوك طلبني للزواج هنا.
ابتسمت بدهشة.
أول مرة تقولين لي هذا.
نظرت نحوي بهدوء.
بعض الأشياء يحتفظ بها الإنسان إلى أن تتوقف عن إيذائه.
أمسكت يدها.
قلت
لا تخفين شيئًا وحدك مرة ثانية يا يمّه.
ضغطت على أصابعي بلطف.
وإنتِ أيضًا.
لم تحدث معجزة سينمائية بعدها.
لم تختفِ الديون فجأة.
ولم تعد السنوات الضائعة.
لكن أمي أصبحت تتنفس دون ألم
وأنا عدت إلى حياتي دون أن أطلب الإذن من أحد.
وفهمت أخيرًا أن العدالة لا تأتي دائمًا كعاصفة.
أحيانًا تأتي كصورة طبقي محوري
وكبسولة صغيرة
وجارة تحمل دفترًا أزرق تحت عباءتها
وأم تبتلع خوفها كله حتى تمنح ابنتها فرصة لتقول الحقيقة.
ومنذ ذلك اليوم
كلما رأيت أمي جالسة قرب النافذة، صغيرة ومتعبة لكن ما تزال صامدة
أتذكر كيف قال سيف إنها فقط
تريد اهتمامًا.
وربما كان محقًا بشيء واحد فقط.
أمي فعلًا كانت تريد من أحد أن ينظر.
وعندما نظرنا أخيرًا
وجدنا داخل جسدها ليس مرضًا فقط
بل شهادة كاملة ضد الرجل الذي حاول دفن الحقيقة معها.

 

تم نسخ الرابط