ينام مرتاح. كل ليلة كان يفتكر صوت المطر، والعربية المقلوبة، وإيد إسبيرانزا وهي بتشده من وسط الزجاج والدم. كان حاسس إن ربنا رجعله الدين بعد عمر كامل بس الدين المرة دي ماكانش فلوس، كان بشر. وفي الوقت اللي البيت بدأ فيه يعرف معنى العيلة، بدأت المشاكل تظهر من بره. منافسه القديم رودريجو سالازار عرف إن أليخاندرو بيدور في ملفات الحادثة القديمة، وده خوّفه جدًا، لأن الحقيقة لو طلعت هتفضح كل حاجة. رودريجو كان راجل عنده نفوذ وفلوس وعلاقات، والناس كلها كانت تخاف منه، لكنه ماكانش متوقع إن نقطة ضعفه هتبقى بنت صغيرة اسمها لوسيا. في يوم وهي راجعة من المدرسة الجديدة، عربية سودة فضلت ماشية وراها لحد ما خوفت. الراجل اللي كان سايق نزل وقالها بهدوء مرعب خلي أليخاندرو يبعد عن الماضي عشان الماضي ساعات بياكل الناس اللي بيفتشوا فيه. البنت رجعت البيت وهي مرعوبة، لكن حاولت تخبي. أليخاندرو لاحظ فورًا إن وشها متغير، وبعد ضغط طويل حكتله كل حاجة. وقتها لأول مرة حس بالخوف الحقيقي، مش على نفسه على الناس اللي بقوا عيلته. من الليلة دي حط حراسة عليهم، لكنه في نفس الوقت قرر إنه مش هيسكت. بدأ يحقق في كل ورقة وكل اسم من زمان، واكتشف إن الحادثة القديمة ماكانت محاولة سرقة بسيطة، دي كانت خطة كاملة عشان يختفي من الطريق ويتاخد مشروعه. والأصعب من ده إنه اكتشف إن ناس كبيرة جدًا شاركت في الموضوع. لوسيا من ناحيتها كانت بتحاول تعيش حياة طبيعية، لكنها كانت شايفة أليخاندرو بيتعب كل يوم أكتر. بقى يسكت كتير، ويبص للسقف ساعات طويلة، كأنه بيحاسب نفسه على سنين عاشها ناسي الست اللي أنقذته. وفي يوم دخل أوضة إسبيرانزا القديمة
وفضل يبكي لوحده لأول مرة من سنين طويلة جدًا. لوسيا سمعته بالصدفة، لكنها ما دخلتش. بس من اللحظة دي فهمت إن أقوى الناس ممكن يكونوا أكتر ناس مكسورين من جوا. بعدها بأيام، ماتيو تعب فجأة وحرارته عليت جدًا. المستشفى اكتشفت إن عنده مشكلة خطيرة في القلب كانت مستخبية ومحتاجة عملية دقيقة جدًا بره المكسيك. لوسيا انهارت، لأنها افتكرت إنها هتفقد آخر شخص باقي لها. لكن أليخاندرو ما استناش ثانية، جهز طيارة خاصة وسافر معاهم بنفسه. طول الرحلة كان ماسك إيد ماتيو الصغير، والولد نايم وتعبان، بينما لوسيا قاعدة تبكي بصمت جنب الشباك. العملية استمرت تسع ساعات كاملة، وكانت أطول ساعات عدّت على أليخاندرو في حياته. فضل واقف برا أوضة العمليات رافض يقعد، وكل ما يفتكر إن الطفل ده كان ممكن يموت في الشارع ليلة ما طلبوا كوباية لبن، قلبه كان بيتقطع. ولما الدكتور خرج أخيرًا وقال إن العملية نجحت، أليخاندرو قعد على الأرض لأول مرة قدام الناس كلها وهو بيبكي من الفرحة. لوسيا بعد ما فاق، وقالتله إنهم أخيرًا بقوا بأمان. لكن السلام ماكملش طويل. بعد رجوعهم، اتعرضت شركة أليخاندرو لهجوم إعلامي ضخم، واتلفقتله قضايا وخسر صفقات بالمليارات. رودريجو كان بيضرب بكل قوته. رجال الأعمال بعدوا، والشركاء خافوا، والبنوك بدأت تضغط عليه. الصحافة كانت بتتكلم عن سقوط الإمبراطور. لكن أليخاندرو، بدل ما ينهار، عمل حاجة محدش توقعها. باع جزء كبير من ممتلكاته بنفسه، وبدأ يستخدم الفلوس لبناء مستشفى مجاني باسم إسبيرانزا هيرنانديز. الناس استغربت، لأنه كان ممكن يحارب عشان يرجع سلطته، لكنه اختار يحارب عشان يسيب أثر مختلف. لوسيا سألته مرة إنت ليه بتضحي بكل ده؟
فابتسم وقالها لأني طول عمري كنت فاكر إن النجاح إن الناس تخاف منك بس جدتك علمتني إن النجاح الحقيقي إن حد يدعيلك من قلبه. المستشفى اتبنى فعلًا، وفي يوم الافتتاح كان فيه آلاف ناس بسيطة جاية تشكره. أمهات شايلين أطفال، رجالة كبار، ناس فقيرة كانت بتعيط لأنها أخيرًا هتتعالج بكرامة. وقتها الصحافة اللي كانت بتهاجمه بدأت تكتب عنه بشكل مختلف. أما رودريجو، فكل أسراره بدأت تقع واحدة واحدة. تسجيلات قديمة ظهرت، وشهود اتكلموا، وتحقيقات اتفتحت، وفي النهاية اتحاكم بتهم فساد ومحاولة قتل. يوم الحكم، أليخاندرو ماحضرش المحكمة. كان قاعد في المستشفى الجديد جنب طفل صغير بياخد علاج مجاني. ولما الصحفيين سألوه ليه ما راحش يشوف عدوه وهو بيتسجن، قال جملة اتنقلت في كل الجرائد في ناس بتضيع عمرها وهي بتحاول تكسب المعارك وأنا أخيرًا فهمت إن الأهم هو مين هيقف جنبك لما كل المعارك تخلص. السنين عدت بسرعة بعد كده. لوسيا دخلت كلية الطب وبقت من أوائل الدفعة. ماتيو كبر وبقى شاب هادي بيحب الموسيقى ودايمًا يقول إن نفسه يبقى إنسان كويس زي أليخاندرو. أما أليخاندرو نفسه، فشعره شاب أكتر، وصحته بدأت تضعف، لكنه لأول مرة في حياته كان مرتاح. وفي ليلة هادية، بعد سنين طويلة، جمع لوسيا وماتيو في الجنينة اللي بدأت منها الحكاية، نفس المكان اللي وقفت فيه البنت الصغيرة تطلب كوباية لبن. القصر كان منور، لكن المرة دي النور ماكانش جاي من اللمبات كان جاي من الناس اللي بقوا عيلة حقيقية. أليخاندرو طلع ورقة قديمة من جيبه، الورقة نفسها اللي كانت لوسيا مدياله فيها عنوان المستشفى زمان. كانت متنية وقديمة جدًا، لكنه حافظ عليها طول السنين دي كلها. قالهم
بصوت ضعيف أغلى حاجة وصلتني في حياتي ماكنتش عقد بملايين كانت الورقة دي. لوسيا دموعها نزلت، وماتيو بص لأخته وهو فاهم أخيرًا قد إيه اللحظة دي غيرت كل حاجة. بعدها بأشهر قليلة، أليخاندرو تعب جدًا، والدكاترة اكتشفوا إن قلبه ماعادش مستحمل. وفي آخر ليلة ليه في المستشفى اللي بناه بإيده، طلب يشوف لوسيا لوحدها. لما دخلت، كان بيبتسم رغم التعب. قالها فاكرة لما طلبتي كوباية لبن؟ هزت راسها وهي بتعيط. فقال إنتِ ماكنتيش بتطلبي لبن يا لوسيا إنتِ كنتِ بترجعيلي إنسانيتي. وبعدها مسك إيدها وقال آخر كلام قبل ما يقفل عينيه خلي النور دايمًا مفتوح يمكن طفل تايه يشوفه يوم. أليخاندرو مونتيس مات بهدوء، لكن جنازته كانت مختلفة عن جنازات الأغنيا. ماكانش فيها سياسيين كتير ولا رجال أعمال مهمين كانت مليانة ناس بسيطة. ستات كبار، أطفال، عمال، مرضى، ممرضين، ناس كانت بتقف بالساعات بس عشان تقول شكرًا. ولما شالوا النعش، لوسيا بصت للسماء وهي فاكرة الليلة الأولى، ليلة البرد والجوع والخوف، وفهمت أخيرًا إن أوقات الحياة كلها بتتغير بسبب باب واحد ما اتقفلش في وش حد محتاج. وبعد سنوات طويلة
جدًا، بقت الدكتورة لوسيا هيرنانديز مديرة مستشفى إسبيرانزا، وكل ليلة قبل ما تمشي كانت تعدي بنفسها على قسم الطوارئ. وفي ليلة مطر قوية، شافت طفل صغير واقف عند الباب شايل أخته وبيبص للنور بخوف. وقتها قلبها دق بعنف، فقربت منه بهدوء وسألته جعان؟ الطفل هز راسه بخجل. فابتسمت وهي تفتكر الماضي وقالت للممرضة هاتيلهم لبن دافي الأول وبعدها ندخلهم. وفي اللحظة دي بالذات، فهمت إن الخير الحقيقي عمره ما بيموت هو بس بيفضل يكبر وينتقل من قلب لقلب، لحد ما ينور الدنيا
كلها.