اخبتار الفتاه سما سامح

لمحة نيوز


مقدرتش أبصلها.
أمي كانت واقفة ساكتة، باصة لي بحزن عمره ما ظهر في عينيها قبل كده.
وفجأة حسيت إني صغير أوي.
أصغر من البيت اللي كنت مكسوف منه.
وأقل من الست اللي جاية تحب أمي أكتر مني.
دخلت البيت من غير ما أتكلم.
هبة كانت بالفعل دخلت المطبخ، وبدأت تتحرك فيه كأنها بنت البيت من زمان.
سمعتها بتضحك مع أمي وهي بتقول يا حاجة كريمة، هو طارق كان بياكل كل ده وهو صغير؟ ده أكيد كان تخين ومقرقف.
وأمي ضحكت لأول مرة من قلبها وقالت ده كان عفريت وكان بياكل العجين قبل ما يستوي.
وقفت ورا الباب أسمعهم وحاجة جوايا كانت بتتكسر.
أنا اللي بقالي سنين كل زيارة للبلد بالنسبة لي عبء، وهي في أقل من ساعة خلت أمي تضحك وتونس.
بالليل، الكهربا قطعت كالعادة.
والبيت غرق في ضلمة خفيفة، منورة بس بفانوس قديم.
قعدنا كلنا في الحوش.
أمي نامت بدري من التعب، وهبة كانت قاعدة جنبي على المصطبة الطين.
فضلت ساكت شوية وبعدين قلت
لها أخيرًا إنتي زعلانة مني؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت مش زعلانة بس موجوعة.
الكلمة وجعتني أكتر.
قالت وهي باصة للسما أنا طول عمري فاكرة إن أكتر حاجة صعبة إن الواحد يتحكم عليه عشان فقير بس طلع الأصعب إن اللي بيحبك هو اللي يعمل كده.
بلعت ريقي وقلت أنا آسف.
هزت راسها وقالت عارف يا طارق أنا كنت يتيمة

تقريبًا.
بصتلها باستغراب.
أول مرة تحكي.
قالت أبويا مات وأنا صغيرة وأمي كانت ست غلبانة بتشتغل في البيوت عشان تعرف تصرف علينا. الناس كانت تبصلنا بشفقة، وفي ناس كانت تعاملنا كأننا أقل.
سكتت لحظة وعينيها لمعت.
عشان كده أول ما قولتلي إننا رايحين البلد، أنا خفت مش من الفقر، لا خفت تكون بتتكسف من أهلك.
اتجمدت مكاني.
هي كانت فاهمة من البداية
فاهمة اللعبة القذرة اللي بلعبها.
بس مع ذلك كملت.
قالت كنت مستعدة أستحمل أي حاجة إلا إنك تكون شايف أمك عبء.
حسيت إن الأرض بتبلعني.
في اللحظة دي، سمعت صوت خبط جامد على باب البيت الخارجي.
قومت بسرعة.
لقيت واحد من أهل البلد واقف ووشه متوتر.
قال الحق يا طارق أم حسن وقعت في الترعة والناس مش عارفة تطلعها!
قبل حتى ما أفهم، هبة كانت قامت تجري برا البيت.
جريت وراها.
البلد كلها كانت متجمعة عند الترعة الصغيرة اللي جنب الأراضي.
ست كبيرة كانت بتصرخ وهي بتحاول تمسك في الحشائش.
والناس واقفة مترددة عشان المية كانت عميقة والتيار قوي.
أنا اتجمدت ثانية
لكن هبة؟!
خلعت الطرحة بسرعة، ونزلت في المية من غير تفكير.
صرخت هبة انتي مجنونة؟!
لكنها كانت وصلت للست بالفعل.
فضلت تسندها وتحاول تزقها ناحية الناس.
وأنا نزلت بعدها أجري.
بصراحة؟ أنا ما نزلتش عشان الست
أنا نزلت
عشان أنقذ هبة.
بعد دقائق صعبة، طلعنا الست بالعافية.
هبة كانت بتترعش من البرد، هدومها كلها طين ومية، لكن أول ما الست حضنتها وهي بتعيط وتقول ربنا يخليكي يا بنتي
هبة ابتسمت.
البلد كلها كانت بتبصلها بانبهار.
واحد من الرجالة قال بصوت عالي البت دي بنت أصول والله ما تستاهلش غير كل خير.
الكلمة خبطتني تاني.
بنت أصول.
وأنا؟ أنا كنت عامل إيه؟
رجعنا البيت متبللين.
أمي أول ما شافت هبة بالحالة دي فضلت تعيط وتقول يا ضنايا كان جرالك حاجة!
ولأول مرة شفت أمي بتحضنها كأنها بنتها بجد.
في الليلة دي، مقدرتش أنام.
فضلت باصص للسقف القديم وأفتكر كل مرة اتأخرت فيها على أمي عشان شكلي قدام الناس.
كل مرة كدبت فيها لما حد يسألني أنا منين.
كل مرة حسست أمي إنها أقل من الحياة اللي عايشها.
وقبل الفجر، قومت من مكاني بهدوء.
طلعت الورقة اللي هبة كانت كتباها.
وقعدت تحت كل سطر أكتب تنفيذ.
تصليح السقف؟ هيبدأ الأسبوع الجاي.
مرتبة جديدة؟ هتتوصل بكرة.
زيارة كل أسبوع؟ وعد.
لكن تحت آخر سطر وقفت طويلًا.
مش هخلي طارق يختار بين مراته وأمه.
إيدي اترعشت وكتبت تحتها
وأنا أوعدك عمري ما هتكسف تاني من الست اللي تعبت عمرها كله عشاني.
تاني يوم الصبح، صحيت هبة على صوت عربيات كبيرة داخلة البيت.
خرجت
هي وأمي مستغربين.
كان معايا
عمال ومهندس ومواد بناء.
هبة بصتلي بدهشة إيه ده؟
بصيت لأمي وقلت البيت ده اتعب فيه أبويا وأمي عمر كامل وأنا عمري ما اسمح له يفضل مهدود تاني.
أمي دموعها نزلت فورًا.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بثواني.
واحد من العمال نده عليا وقال يا باشمهندس تعالى بسرعة.
طلعت أجري.
لقيت جزء من المخزن القديم اللي ورا البيت وقع وهو بينضفوه
ومن تحت الركام، ظهر صندوق حديد قديم مترب.
أمي أول ما شافته شهقت وحطت إيدها على قلبها.
وقالت بصوت مرتعش يا نهار أبيض الصندوق ده لسه موجود؟!
فتحت الصندوق بإيدي
ولقيت جواه حاجات قديمة لأبويا صور جوابات وكيس قماش صغير.
فتحته
واتصدمت.
دهب.
دهب كتير.
أمي قعدت على الأرض وهي بتعيط.
وقالت أبوك قبل ما يموت باع أرضه وحوّل تعبه دهب وخباه هنا عشان مستقبلك.
بصيت لها مصدوم طب ليه عمرِك ما قولتيلي؟!
قالت وهي بتبص لهبة كنت مستنية اليوم اللي أعرف فيه إن ابني بقى راجل يستاهل النعمة ومش هيبيع أهله عشان المنظرة.
السكوت قتلني.
حتى بعد موته أبويا كان بيختبرني هو كمان.
وهبة؟ كانت الوحيدة اللي نجحت من أول لحظة.
بعد شهرين
اتعمل الفرح في البلد مش في القاعة.
هبة أصرت.
البيت اترمم بالكامل، بس من غير ما نفقد روحه القديمة.
وأمي بقت قاعدة كل يوم وسط الناس تضحك وتحكي بفخر دي مش مرات
ابني دي البنت اللي رجعتلي ابني لنفسي.
أما أنا
فأول مرة في حياتي، بقيت فخور فعلًا بالمكان اللي جيت منه.

 

تم نسخ الرابط