فرامل عربيتي ١ حكايات زهرة
وأنا أقوله يا راجل استنى لما الجو يتحسن شويع وهو قفش وزعل.. كل ما بيكبر بيبقى شبه العيال الصغيرة."
وفي آخر الرسالة إيموجي بيضحك ومكسوف.
شفايفي اترسمت عليها ابتسامة من غير ما أحس.
حمايا وحماتي دول أطيب ناس في الدنيا.
عم مصطفى قبل ما يخرج على المعاش كان أسطى وخريج مدرسة الصنايع، راجل دغري وميعرفش اللف والدوران، وعاش عمره كله لبيته وعياله.
وطنط هدى ست طيبة وفي حالها، وبتعاملني كأني بنتها اللي مخلفتهاش وأكتر.
من يوم ما طلعوا على المعاش، وحلمهم الوحيد يلفوا مصر بالعربية ويتفسحوا.
بس عربيتهم القديمة بقت بتسخن ومبقتش حمل سفر وطرق مفتوحة ومش عايزين ياخدو عربية ابنهم لانه بيحتاجها كل شويه في شغله.
ياما قولت لهم "يا عم مصطفى خد عربيتي كبيره مريحة وواسعة في السفر".
بس حمايا كان دايماً يرفض بعزة نفس ويقول لي "يا بنتي دي عربيتك ، منحبش نبهدلها معانا".
مسكت التليفون وكتبت لها:
"يا طنط لو عمو عاوز يسافر، المفتاح والعربية تحت أمركم في أي وقت."
"أنا كدة كدة بستخدمها بسيط خالص، وفي الويك إند مبروحش بيها حتة. خدوها بدل ما هي مركونة تحت البيت والتراب بياكلها."
الرسالة مفيش ثانية والرد جه:
"يا حبيبتي تسلمي، كلام إيه ده
بصيت للشاشة كام ثانية، و صوابعي كتبت بسرعة:
"يا ستي أنا بركب المترو وبكون في الشركة في ربع ساعة، أسرع من زحمة المحور والعربية مائة مرة. قولي لعمو يتوكل على الله ويجهز الشنط، واطلعوا اتبسطوا قوام."
ودست إرسال، وأنا ببتسم
تاني يوم كان شريف جوزي وصل اخر اللليل ومشي بدري الصبح قبل ما يصحيني
قومت من النوم وكنت هتصل بيه بس سمعت صوت خبط هلى الباب
روحت فتحت كانو حمايا وحماتي ومعاهم شنط سفرهم
حمايا ابتسم بكسوف وقال..معلش لو هنتعبك يا منه
ضحكتوانا بديله مفتاح العربيه وقولت...المهم تتبسطو وصور كتير بقى
حمايا اخد المفتاح بفرحه زي الاطفال وقال...ده انا هبعتلك صوره كل ثانيه
حماتي ضحكت وقالت ..مفيش فايده فيه
وحضنتني وهيه بتشكرني من قلبها
اول ما خرجو من عندي مسكت التليفون واتصلت بشريف
بعد دقايق رد وقال بلهفه...ها يا روحي نزلتي شغلك اخبار العربيه ايه معاك
استغربت سؤاله واللهفه اللي في صوته وقالولت..لا يا حبيبي انا هنزل بالمترو النهارده ..العربيه اخدوها باباك ومامتك هيلفو بيها ويشوفو الدنيا
شريف اتجمد، وحتى صوت نفسه مسمعتوش، واللي
السكوت اللي ساد في الخط كان مرعب، سكوت مش طبيعي، لدرجة إني شيلت الموبايل من على ودني وبصيت في الشاشة ألتأكد لو الخط قطع ولا لسه مفتوح. لقيت العداد بيعد ثواني عادي جداً. رجعت الموبايل لودني ونديت عليه بقلق:
"شريف؟ شريف أنت معايا؟ الخط قطع ولا إيه؟"
وفجأة، سمعت صرخة مكتومة طالعة من أعماق قلبه، صرخة هزت سماعة التليفون ونفضت كياني كله. صوت شريف مبقاش هو الصوت الحنين الناعم اللي أعرفه، بقى صوت مرعوب، منهار، وضايع تماماً.
"أبويا وأمي؟! أخدوا العربية؟! أخدوها إزاي يا منة؟ أنتِ بتقولي إيه؟! قولي إنك بتهزري.. أرجوكي قولي إنك لسه مادتيهمش المفتاح!"
استغربت جداً من نبرة الهلع المبالغ فيها دي، وجسمي بدأ يقشعر من غير ما أفهم السبب. رديت عليه بنبرة هادية وبأحاول أستوعب:
"أهزر في إيه يا شريف؟ هما لسه نازلين من عندي من دقيقتين بالظبط، وفرحانين جداً وشنطهم معاهم. أنا قولت حرام عمو مصطفى كان نفسه يفسح طنط هدى، وعربيتي مريحة وواسعة وهتشيلهم في طريق الفيوم. في إيه يا حبيبي لكل الخوف ده؟ ما هما ياما سافروا، وبعدين أنت مش قايل لي إنك جبت فني من التوكيل امبارح وشيك عليها؟ يعني العربية آمنة وزي الفل!"
"
شريف صرخ بالكلمة دي وهو بيبكي بنشيج حاد، صوت عياطه كان هيريسيري، كأنه طفل صغير بيضيع منه كل حاجة.
"الفرامل مقطوعة! العربية مفيهاش فرامل يا منة! أبويا وأمي هيموتوا.. أنا السبب.. أنا اللي عملت كده!"
في اللحظة دي، الدنيا لفت بيا. المطبخ، الحيطة، السقف، كل حاجة حواليا بدأت تدور بسرعة جنونية. الكلمات نزلت على وداني زي الصواعق المتتالية. دماغى عجزت عن الترجمة.
"الفرامل مقطوعة؟ وأنت اللي عملت كده؟ يعني إيه؟ شريف أنت بتقول إيه؟!"
صوته جالي من بين شهقاته العالية، مكسور ومفضوح، ومبقاش قادر يخبي خطيئته بعد ما السكينة سرقته وجت في أعز ما يملك:
"أنا اللي بوظت الفرامل بايدي امبارح بالليل يا منة.. أنا اللي قاطعلها الخرطوم ومصفي الزيت.. كنت فاكر إنك أنتِ اللي هتركبيها الصبح وتنزلي بيها المحور.. كنت عايز أخلص منك عشان.. عشان أتجوز ريهام ونصيبك في الشركة والبيت يرجعوا لي.. أنا أسف.. أنا غبي.. اطلحي وراهم يا منة الحقيهم! أبويا لو مسك طريق المحور ونزل النزلة مش هيعرف يقف! هيموتوا يا منة.. هيموتوا بسببي!"
الموبايل وقع من إيدي على الأرض. الشاشة اشرخت، وصوت شريف العالي الباكي بقى طالع من السبيكر المكسور