ترك عزاء والدي
توقفي عن المقاومة!
بدأ الخوف يتحول داخلي إلى شيء آخر.
غضب.
مرارة.
كره.
رفعت رأسي نحوه وقلت وسط دموعي
هل كنتَ تخطط لهذا منذ البداية؟ هل تزوجتني فقط من أجل أموال أبي؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قال أخيرًا
كنتِ الطريق الوحيد.
شعرت وكأن شيئًا انكسر داخلي نهائيًا.
حتى البكاء توقف.
كل الذكريات مرت أمامي دفعة واحدة.
يوم زفافنا.
أول هدية اشتراها لي.
كل مرة قال إنه يحبني.
كلها كانت كذبة.
قلت بصوت مبحوح
وأبي؟ هل قتلته؟
نظر إليّ طويلًا.
طويلًا جدًا.
ثم قال بهدوء بارد
بعض الرجال يختارون الموت حين يرفضون التخلي عن الماضي.
توقفت أنفاسي.
لم يعترف.
لكنه لم ينكر أيضًا.
وفجأة
صدر صوت إشعار من الهاتف القديم داخل الصندوق.
تجمّد كرار.
ونظرت أنا بسرعة إلى الشاشة.
كان هناك تسجيل جديد يعمل تلقائيًا.
ثم خرج صوت أبي من الهاتف وسط ظلام المقبرة
إذا كنتَ تسمع هذا يا كرار فهذا يعني أنك وصلت متأخرًا.
شحب وجهه فورًا.
أما أنا
فشعرت بأن قلبي سيتوقف.
صوت أبي بدا واضحًا جدًا.
هادئًا.
وكأنه ما يزال حيًا.
أعرف أنك ستبحث عن الصندوق بعد موتي لأنك لن تستطيع إكمال ما بدأته دون توقيع زينب.
نظر كرار حوله بعصبية.
ثم حاول أخذ الهاتف.
لكنني سبقته وخطفته بسرعة.
واستمر التسجيل
نسخة كاملة من كل الأدلة وصلت إلى المحامية رنا الموسوي.
اتسعت عينا كرار.
ووصلت أيضًا إلى شخص أثق به خارج العائلة.
بدأ الرجل المرافق له يتراجع
واضح أنه لم يعد يريد البقاء.
ثم أكمل أبي
إذا تعرضت ابنتي لأي أذى فسيُفتح البلاغ الرسمي فورًا، وستبدأ الشرطة التحقيق في وفاتي.
صرخ كرار فجأة
أغلقِه!
لكني تراجعت وأنا أضم الهاتف إلى صدري.
وكان صوت أبي يخرج للمرة الأخيرة
زينب لا تثقي بدموع أحد. حتى إخوتكِ لم يكونوا يعرفون الحقيقة كاملة. أما كرار فاحذريه أكثر مما تخافين الموت نفسه.
ثم توقف التسجيل.
ساد صمت ثقيل.
ثوانٍ فقط
لكنها كانت كافية لانهيار كل شيء.
التفت الرجل المرافق إلى كرار بعينين مذعورتين.
أنت قلت إن الرجل مات طبيعيًا!
لم يرد.
كرار ماذا فعلت؟
اقترب منه كرار بسرعة.
قلت لك اخفض صوتك!
لكن الرجل دفعه بعيدًا هذه المرة.
لا تلمسني! أنا خارج هذا كله!
ثم ركض مبتعدًا بين القبور نحو البوابة الخلفية.
وبقيت أنا وحدي مع كرار.
والمطر يزداد فوق رؤوسنا.
نظر إليّ للحظات طويلة.
ثم قال بصوت منخفض جدًا
كان يجب أن ينتهي كل شيء بهدوء.
بدأت أتحرك للخلف ببطء.
لكنه اقترب.
خطوة.
وأخرى.
حتى أصبحت ساقاي تلامسان شاهد القبر خلفي.
قال وهو ينظر إلى الهاتف بيدي
أعطني الهاتف والصندوق وسأتركك ترحلين.
ضحكت بصدمة.
ما زلت تكذب حتى الآن؟
أمسك كتفي بعنف.
زينب لا تجبريني!
دفعت يده بكل قوتي.
ابتعد عني!
ولأول مرة
رفع يده وكأنه على وشك صفعي.
لكنه توقف قبل أن يلمسني.
نظر إلى يده لثانية
وكأنه صُدم من نفسه.
ثم سمعنا فجأة صوت سيارة تقترب بسرعة من
تجمّد كرار فورًا.
وأنا كذلك.
ثم ظهرت أضواء قوية انعكست فوق القبور المبللة بالمطر.
سيارة.
ثم أخرى.
فتح كرار عينيه بصدمة.
وفي اللحظة التالية
دخل رجل مسنّ يحمل مصباحًا يدويًا من بين القبور.
كان أبو حسن حارس المقبرة.
نظر مباشرة إلى كرار وقال بهدوء مرعب
انتهى الأمر يا ولدي.
صرخ كرار فيه
أنت؟!
اقترب أبو حسن ببطء.
الحاج عبد الزهرة عرف حقيقتك قبل موته بوقت طويل.
ثم نظر إليّ.
قلت له إن البنت طيبة زيادة عن اللزوم لكنه كان يخاف عليها منك أكثر من خوفه على نفسه.
بدأ وجه كرار يتغير تدريجيًا.
الغضب
إلى توتر
إلى خوف حقيقي.
ثم ظهرت خلف البوابة أضواء سيارات الشرطة.
وصوت أبواب تُفتح.
وأقدام تقترب بسرعة داخل المقبرة.
وفي تلك اللحظة فقط
أدرك كرار أن لعبته انتهت فعلًا.
تراجع خطوة إلى الخلف بينما أضواء سيارات الشرطة تملأ المقبرة.
كانت الأمطار تزداد فوق القبور، وكانت الريح تحرّك الأشجار والأعلام السوداء بطريقة جعلت المشهد كله يبدو ككابوس طويل لم أستيقظ منه بعد.
وقف أبو حسن أمامي وكأنه يحاول حمايتي بجسده.
أما كرار
فكان ينظر حوله بعينين مضطربتين للمرة الأولى منذ عرفته.
سمعنا صوت رجال الشرطة يقتربون بسرعة.
ثم ظهر ثلاثة رجال بملابس رسمية ومعهم مصابيح قوية.
وخلفهم مباشرة
امرأة ترتدي معطفًا أسود وتحمل ملفًا كبيرًا بيدها.
عرفتها فورًا.
المحامية رنا الموسوي.
نظرت إليّ بسرعة.
ثم
زينب هل أنتِ بخير؟
لم أستطع الرد.
كنت أرتجف بالكامل.
اقترب أحد الضباط من كرار وقال بلهجة حادة
لا تتحرك.
لكن كرار رفع يديه ببطء وقال ببرود حاول أن يتمالك نفسه
أظن أن هناك سوء فهم.
ضحك أبو حسن بسخرية.
سوء فهم؟ بعد كل ما فعلته؟
نظر كرار إليه بغضب قاتل.
ثم قال
أنت مجرد حارس مقبرة لا تتدخل فيما لا يعنيك.
لكن رنا تقدمت خطوة وقالت بثبات
بل يعنيه كثيرًا لأنه الشاهد الوحيد الذي وثق به الحاج عبد الزهرة قبل موته.
تغيّرت ملامح كرار فورًا.
أما أنا
فكنت ما أزال ممسكة بالهاتف والصندوق وكأنني أخشى أن يختفيا من يدي.
اقتربت مني رنا بهدوء.
أعطيني الصندوق يا زينب.
ترددت لثوانٍ.
ثم سلمته لها ببطء.
فتحته أمام الضباط.
وبدأت تُخرج الملفات واحدًا تلو الآخر.
عقود.
تنازلات.
تحويلات مالية.
أوراق موقعة.
ثم أخرجت التقرير الطبي.
وحين قرأ الضابط أول سطر فيه
رفع رأسه مباشرة نحو كرار.
آثار تسمم تدريجي؟
ساد الصمت.
حتى المطر بدا أهدأ للحظة.
قال كرار بسرعة
هذا لا يثبت شيئًا.
لكن رنا نظرت إليه بثبات.
بل يثبت بداية التحقيق.
ثم رفعت ملفًا آخر.
وهذه تسجيلات تحويلات مالية مرتبطة بحسابات وهمية استخدمتها لشراء حصص غالب ومهدي بطريقة غير قانونية.
صرخ كرار
لقد وقّعا بكامل إرادتهما!
ردّت رنا فورًا
بعد استغلال ديونهما وإخفاء حقيقة العقود عنهما.
ثم نظرت إليه باحتقار واضح.
كنت تظن أن الجميع أغبياء مثلك.
بدأ
كان يحاول الحفاظ على هدوئه
لكنه كان ينهار تدريجيًا.
وفجأة صاح بي
قولي لهم الحقيقة يا زينب! قولي لهم إنني لم ألمسكِ!
شعرت بالغثيان من صوته.
كيف يستطيع