في عزومه عائليه

لمحة نيوز

​«كنت باخدها قرض؟!» صوتي طلع مشحون بوجع سنين. «قرض من غير ما أعرف؟ وأنا بموت في اليوم مية مرة عشان إيجار أوضتي؟ عشان علبة دواء الأنيميا اللي مكنتش بلاقي تمنها؟ بتسرقوني عشان ياسمين تشتري بالطو ماركة وجزمة غالية تتباهى بيها في دبي؟!»

​أبويا رفع إيده عشان يسكتنا كلنا. عينيه كانت مثبتة على شاشة الموبايل، وصابعه لسه بيقلب. ملامح وشه اتقلبت من الصدمة للذهول التام، وبعدين للغضب الأعمى. بص لأمي وياسمين وقال بابتسامة مرعبة من كتر السخرية: «قرض؟ وظروف صعبة في دبي؟»

​لف الموبايل ناحيتنا، وحدف الكلمة اللي قطعت آخر حبل دايب في العيلة دي:

«التحويلات دي ما توقفتش حتى بعد ما ياسمين اتثبتت في شغلها وبقى مرتبها خيالي.. بالعكس، ياسمين مكنتش بتاخد الفلوس ليها يا فادية.. ياسمين كانت بتحول الفلوس دي أول بأول لحساب شركة شحن وتخليص جمركي باسم أخوكي "مدحت"!»

​هنا أمي شهقت، ووشها اتحول للون أزرق باهت. ياسمين حطت إيدها على بؤها وبدأت تعيط بنحيب مكتوم.

​أبويا

كمل وهو بيقوم يقف، وطوله وعرضه مغطيين الصالة: «أخوكي مدحت اللي قايلالي إنه مسافر السعودية بيعمل عمرة بقاله شهرين؟ أخوكي مدحت محبوس على ذمة قضية تهريب بضائع مجهولة المصدر من تلات أسابيع.. والشرطة بتدور على الشريك المالي اللي كان بيمول الشحنات دي من مصر.. الشريك اللي الحسابات طالعة باسمه.. حساب ياسمين، والفلوس اللي داخلاه هي فلوس "مصروف سلمى"!»

​الترابيزة اتقلبت لمشهد مرعب. الغباء مكنش بس في سرقة فلوسي؛ الغباء إن أمي استخدمت حساب ياسمين عشان "تغسل" الفلوس وتبعتها لأخوها النصاب عشان تنقذه من ديونه، ومن غير ما ياسمين تفهم الأبعاد القانونية كاملة، وافقت أمها بدافع "إننا بننقذ خالنا". أمي، في محاولتها المستميتة لإنقاذ برستيج عيلتها القديمة وأخوها اللي طول عمره بيستغلها، ورطت بنتها الكبيرة في قضية جنائية، ودمرت بنتها الصغيرة بالمرض والشقاء.

​أبويا بص لأمي بنظرة عمري ما شفتها في حياتي.. نظرة قرف تام. «أنا طول عمري عارف إنك ست مظاهر.. وبقول

معلش، غاوية منظرة قدام الناس.. لكن توصلي لدرجة إنك تاكلي عرق بنتك الشقيانة، وتغسلي الفلوس مع أخوكي الحرامي، وتدبسي بنتك التانية في مصيبة سجن؟!»

​ياسمين انهارت ووقعت على الأرض تحت رجلين أبويا: «والله العظيم يا بابا ما كنت أعرف إن خالو بيعمل حاجة شمال! ماما قالتلي خالك مزنوق في وصولات أمانة وهيتحبس، وخلي الفلوس تدخل حسابك وتطلع منه عشان جوزها ميعرفش.. مكنتش أعرف إنها بضاعة متهربة!»

​أنا كنت قاعدة.. تايهة. ببص لإيدي اللي فيها أثر المحلول، وببص لشنطة ياسمين الغالية، وببص لأمي اللي هربت من المواجهة ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح وهي بتصرخ بهستيريا. عرفت في اللحظة دي إن "البيت المثالي" اللي عشت فيه طول عمري مكنش غير مسرحية كرتون، وأول ريح حقيقية طيرته.

​أبويا التفت لي.. عينيه كانت مدمعة. قرب مني، ومسك إيدي اللي بتترعش بكل حنان، وباس رأسي قدام ياسمين اللي كانت بتبكي على الأرض.

قال لي بصوت شرخان: «حقك عليا يا بنتي.. أنا افتكرت إني حاميكي.

. افتكرت إني مأمنك.. شقاكي وتعبك السنتين اللي فاتوا دول كلهم هيرجعولك تمنهم دهب.. بس دلوقتي، لازم أصلح القرف اللي حصل ده قبل ما البوليس يخبط على الباب بسبب غباء أمك وأخوها».

​في نفس الليلة، أبويا أخدني في عربيتو ولمينا كل حاجتي من الأوضة القديمة اللي كنت مأجراها وسط القاهرة. رجعت بيته.. بس المرة دي مش كبنت "مستضعفة" بتطحن نفسها، رجعت وأنا شايفة الشيك اللي أبويا كتبهولي بمبلغ السنتين اللي فاتوا وزيادة عليهم، تمن "شقايا" اللي اتسرق.

​أمي وياسمين عاشوا أسابيع سوداء بين تحقيقات ومحامين دفع فيهم أبويا دم قلبه بس عشان يحمي ياسمين من السجن ويثبت حسن نيتها، وانتهت القضية بغرامة ضخمة قصمت ظهر أمي وخالها، وبشرخ في علاقة أمي بأبويا عمري ما أظن إنه هيتصلح.

​أما أنا؟ فبعد ما كنت بقع من طول في مخزن كافيه، استخدمت الفلوس دي وبدأت مشروعي الخاص اللي كنت بحلم بيه طول عمره. تمن الشقاء مكنش سهل، بس الخبطة اللي ما تموتش.. بتصحي، وأنا فوقت وعرفت مين

معايا ومين عليا.

تم نسخ الرابط