اصبح الحنش غريبا

لمحة نيوز


الباب
شعرت برائحة الحرمل تضرب وجهي بقوة.
الغرفة كانت مظلمة إلا من ضوء خافت يتسلل من النافذة القديمة.
كل شيء فيها بقي كما تركته جدتي.
السرير.
السجادة الحمراء.
المبخرة النحاسية.
حتى عباءتها السوداء كانت معلقة خلف الباب.
لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.
خزانة صغيرة في زاوية الغرفة
مفتوحة.
اقتربت منها ببطء.
وفي الداخل وجدت صندوقًا خشبيًا قديمًا.
ترددت قبل لمسه.
ثم فتحته.
في البداية ظننت أنني أرى أوراقًا عادية.
لكنني أدركت بعد لحظات أنها ليست كذلك.
كانت صفحات مكتوبة بخط جدتي.
أدعية.
آيات.
وكلمات لم أفهمها.
وبين الأوراق
وجدت صورة قديمة بالأبيض والأسود.
جدتي شابة.
تقف وسط الفناء الداخلي.
وبجوارها
ميمون.
نفس الحنش.
بنفس

حجمه تقريبًا.
شعرت بقشعريرة تزحف داخل ظهري.
الصورة تعود لأكثر من ثلاثين سنة.
كيف لم يتغير؟
سمعت فجأة صوت ارتطام خلفي.
التفت بسرعة.
كان ميمون قد اندفع نحو باب الغرفة، ووقف أمامه كأنه يمنع شيئًا من الدخول.
ثم بدأ يصدر ذلك الفحيح الغاضب نفسه.
وفي اللحظة التالية
انطفأ الضوء القادم من الممر.
غرقت الغرفة في ظلام كامل.
تجمّدت في مكاني، وأنا أسمع صوتًا غريبًا بالخارج.
ليس خطوات.
ولا صوت إنسان.
بل احتكاكًا خافتًا، كأن شيئًا يُسحب ببطء فوق الأرض القديمة.
أما ميمون
فبدأ يضرب ذيله بعنف.
مرة.
ثم مرة أخرى.
حتى اهتزّ باب الغرفة.
أردت الصراخ، لكن صوتي اختفى تمامًا.
وفجأة
ساد الصمت.
صمت ثقيل إلى درجة أنني كنت أسمع دقات قلبي بوضوح.

وبعد ثوانٍ طويلة، عاد الضوء فجأة.
ارتعشت عيناي نحو الباب فورًا.
الممر كان فارغًا.
لا شيء هناك.
لكن ميمون لم يتحرك.
ظل منتصبًا مكانه لثوانٍ، ثم بدأ جسده يترنح ببطء.
شعرت بقلبي ينقبض.
ميمون؟
التفت نحوي أخيرًا.
ولأول مرة منذ عرفته
بدا مرهقًا.
كأن شيئًا استنزفه بالكامل.
تحرك بصعوبة فوق الأرض، ثم عاد يزحف نحو غرفتي ببطء شديد.
وفي منتصف الطريق تقريبًا
توقف.
ثم سقط رأسه على الأرض فجأة.
ركضت نحوه فورًا.
ميمون!
لم يتحرك.
وضعت يدي قرب رأسه المرتجف.
كان يتنفس بصعوبة.
ثم رفع عينيه نحوي للحظة أخيرة.
هدأ الفحيح تمامًا.
وسكن جسده.
بقيت جالسة بجواره حتى الفجر، غير قادرة على استيعاب ما حدث.
وفي الصباح
كان ميمون ميتًا.
ساعدتني
لالة زهور في دفنه داخل الحديقة الصغيرة وسط الرياض.
لم تقل الكثير.
فقط ظلت تراقب الجسد الطويل الملفوف بالقماش الأبيض بصمت غريب.
وقبل أن نغطيه بالتراب، تمتمت بهدوء
بعض الحناش كتموت وهي واقفة على باب الدار.
لم أفهم قصدها تمامًا.
لكنني لم أسأل.
في تلك الليلة
دخلت غرفتي وأنا أتوقع أن أسمع الخطوات نفسها.
أو أشم رائحة البخور.
أو أستيقظ على ذلك الشعور الثقيل الذي كان يخنق صدري كل ليلة.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
كان البيت هادئًا للمرة الأولى منذ وفاة جدتي.
هادئًا بشكل طبيعي.
حتى نافورة الفناء
سمعت صوت الماء يعود إليها من جديد.
جلست طويلًا أحدق في المكان الفارغ قرب سريري.
المكان الذي كان ميمون يتمدد فيه كل ليلة.
ثم تذكرت
كلام الجارات
الحنش اللي كيسكن الدار راه حافظ السر.
ولأول مرة
شعرت أنني فهمت ما كنّ يقصدنه.

 

تم نسخ الرابط