صاحب المزرعه

لمحة نيوز

"بل أحتاج أيضًا إلى الاختباء من شخص ما."

شعر دييغو بقشعريرة تسري في جسده.

في تلك اللحظة أدرك أن هذه المرأة لم تصل إلى مزرعته مصادفة.

وأن العاصفة في الخارج… ربما ليست أخطر ما سيحدث في تلك الليلة.

أغلق دييغو أبواب الحظيرة بإحكام بينما كانت الرياح تعوي في الخارج كأنها مخلوق هائج يجوب الصحراء. كانت ألواح الخشب القديمة ترتجف مع كل دفعة من الهواء العنيف، وكان صوت المطر المتساقط على السقف المعدني يتصاعد شيئًا فشيئًا حتى صار يشبه قرع آلاف الحصى الصغيرة.

قال بصوت هادئ محاولًا أن يطمئنها:
— يمكنك البقاء هنا هذه الليلة. فالعاصفة ستستمر لساعات.

أومأت إيزابيلا برأسها ببطء، وكأنها لا تزال تحاول أن تستوعب أنها وصلت أخيرًا إلى مكان آمن بعد يوم طويل من الخوف والتعب.

كانت يداها ترتجفان، ليس فقط من البرد، بل من الإرهاق أيضًا. لاحظ دييغو ذلك دون أن يقول شيئًا في البداية، لكنه حين اقترب أكثر رأى شيئًا آخر لفت انتباهه.

كدمة صغيرة داكنة على ذراعها.

توقف للحظة، ثم سألها بحذر شديد:
— هل آذاكِ أحد؟

بدت مترددة، وكأن الكلمات ثقيلة في صدرها.

ثم قالت بصوت خافت بالكاد يُسمع وسط صوت المطر:
— زوجي.

ساد صمت ثقيل بينهما،

صمت طويل امتلأ بأصوات العاصفة التي كانت تزداد قوة في الخارج.

ثم تابعت بعد لحظة:
— هربت هذا الصباح… وسرت طوال اليوم.

لم يقل دييغو شيئًا للحظة، لكنه شعر بمزيج غريب من الغضب والشفقة يشتعل داخله. لم يكن يعرف تلك المرأة قبل ساعة واحدة فقط، ومع ذلك شعر بأن فكرة أن يؤذيها أحد أمر لا يمكن قبوله.

قال أخيرًا بنبرة ثابتة:
— لن يؤذيك أحد هنا.

كانت العاصفة تضرب سقف الحظيرة بعنف، وارتجت الأبواب قليلًا تحت ضغط الرياح. أما داخل الحظيرة فكان الضوء الخافت القادم من مصباح الزيت يخلق ظلالًا متراقصة على الجدران الخشبية.

جلست إيزابيلا فوق كومة من القش، وقد بدت مرهقة تمامًا.

أحضر لها دييغو بطانية سميكة ووضعها بلطف على كتفيها.

قال:
— ستشعرين بالدفء قليلًا.

ابتسمت ابتسامة خفيفة شاكرة.

ومع مرور الوقت، بدأ التوتر بينهما يهدأ شيئًا فشيئًا.

جلس دييغو على صندوق خشبي قريب، وبين صوت المطر والرعد بدأ حديث طويل بين شخصين التقيا صدفة تحت سماء عاصفة.

تحدثا عن حياتهما.

عن الطفولة.

عن الأيام التي شكلت شخصيتيهما.

روت له إيزابيلا كيف نشأت في قرية صغيرة بعيدة، حيث كانت البيوت متلاصقة والناس يعرفون أخبار بعضهم بعضًا. كانت

تحلم وهي صغيرة بحياة مختلفة، حياة مليئة بالسفر والحرية.

لكن أحلامها لم تتحقق كما أرادت.

ففي سن مبكرة أجبرتها عائلتها على الزواج من رجل أكبر منها بكثير.

رجل معروف في القرية بقسوته وغضبه السريع.

في البداية حاولت أن تتحمل.

قالت لنفسها إن الأمور قد تتحسن.

لكن الأيام تحولت إلى شهور، والشهور تحولت إلى سنوات من الخوف والصمت.

كانت حياتها داخل ذلك البيت مثل قفص مغلق.

حتى جاء اليوم الذي قررت فيه أن تهرب.

قالت وهي تنظر إلى الأرض:
— لم أعد أحتمل. شعرت أنني إن بقيت هناك فسوف أفقد نفسي تمامًا.

استمع دييغو إليها بصمت.

لم يكن رجلًا كثير الكلام، لكنه كان يعرف كيف يصغي.

وأثناء حديثها كان يشعر بشيء يتغير داخله.

شيء لم يعرفه من قبل.

لقد عاش طوال حياته وحيدًا.

كان يعتقد أن الوحدة جزء طبيعي من حياته، وأنه خُلق ليعيش هكذا.

لكن وجود هذه المرأة في الحظيرة تلك الليلة جعل قلبه يشعر بشيء مختلف.

شعور دافئ وغريب في آنٍ واحد.

مرت الساعات ببطء.

وفي الخارج بدأت العاصفة تهدأ تدريجيًا.

لم يعد الرعد يهدر كما كان من قبل، وصار صوت المطر أكثر نعومة.

كان الليل قد حل بالكامل، والسماء خلف جدران الحظيرة المظلمة بدت وكأنها

تستعيد هدوءها شيئًا فشيئًا.

نظرت إيزابيلا إلى دييغو بتعبير مختلف هذه المرة.

لم يكن خوفًا.

بل شيئًا أقرب إلى الامتنان.

همست قائلة:
— شكرًا لأنك ساعدتني.

شعر دييغو بأن قلبه يتسارع فجأة.

لم يكن معتادًا على مثل هذه اللحظات.

لم يكن معتادًا على وجود شخص آخر في حياته أصلًا.

لقد قضى سنوات طويلة وهو يستيقظ وحده ويأكل وحده ويعمل وحده ويجلس في المساء على شرفته ينظر إلى النجوم دون أن يشاركه أحد ذلك الصمت.

لكن في تلك الليلة العاصفة، وسط الصحراء الواسعة، تغير شيء داخله.

شعر وكأن الجدار الذي بناه حول نفسه طوال أربعين عامًا بدأ يتصدع.

وكأن الوحدة التي اعتاد عليها لم تعد تبدو قدرًا ثابتًا كما كان يعتقد.

لأن القدر أحيانًا يأتي دون سابق إنذار.

لا يطرق الباب.

ولا يرسل إشارات واضحة.

بل يظهر فجأة.

في شكل عاصفة.

في صوت الرياح وهي تعوي عبر الصحراء.

وفي هيئة امرأة متعبة تصل إلى حظيرتك طلبًا للمأوى.

كانت إيزابيلا قد استندت إلى القش وأغمضت عينيها قليلًا من شدة الإرهاق.

أما دييغو فظل جالسًا يراقب المصباح الزيتي وهو يتمايل بنوره الدافئ.

وكان يفكر في أمر واحد فقط.

ربما لم تكن تلك الليلة مجرد صدفة.

ربما

كانت بداية شيء لم يتوقعه أبدًا.

وفي تلك اللحظة، وسط صمت الصحراء بعد العاصفة…

لم يعد دييغو مندوزا ذلك الرجل الوحيد الذي كان عليه طوال أربعين عامًا.

تم نسخ الرابط