الروف حكايات زهرة
ياسين كان بيتكلم ببراءة وبساطة شديدة:
"اللي أنا بحبه أوي دا. بابا قالي أول ما ماما بتمشي، هو بينزل يلعب معايا وعملي برج كبير بالليجو."
"ياسين.. هي طنط أم أحمد هي اللي سقتك البسكوت ده النهاردة؟"
"لا، طنط أكلتني تفاح."
الولد هز راسه بالنفي:
"البسكوت بابا اللي جابهولي."
قمت في ساعتها ونزلت المطبخ جري، فتحت ضلفة الخزين اللي فيها الحلويات.
فعلاً.. كان فيه علبة بسكوت بالفراولة هناك.
أنا فاكرة كويس جداً.
العلبة دي أنا عيناها من الأسبوع اللي فات، ومفتحتهاش عشان لقيت ياسين بقاله كام يوم بياكل سكريات كتير، فقلت هشيلها شوية.
بس دلوقتي..
نص العلبة مش موجود!
كلمت الدادة سألتها.
حلفتلي ميت يمين إنها ملمستش علبة البسكوت ولا أكلت الولد منها حاجة.
الليلة دي برضه.. عيني مشافتش النوم.
تاني يوم الصبح، وقبل ما آخده أوديه الـ (Daycare) الحضانه بتاعته، قعدت قباله على ركبي وبقيت في مستوى عينه:
"ياسين، بص في عيني وقولي الحقيقة."
"بابا بدأ يستخبى فوق الرووف من إمتى؟"
"من زمان أوي."
"يعني بقاله كام يوم مثلاً؟"
"أنا بعرف أعدهم!"
ياسين فرد إيديه الاتنين الصغيرين.
فتح صوابعه العشرة كلهم.
وبعدين قفلهم وفرد العشرة تاني.
"يعني عشرين يوم؟"
ياسين هز راسه:
"آه، بابا قالي إنه عد الأيام على النتيجة."
"طب وهو مستخبي ليه يا ياسين؟"
"عشان قالي فيه ناس وحشين برا بيدوروا عليه."
الولد حضن الأرنب القماش بتاعه وصوته طالع رقيق وصغير أوي:
"وعشان كده مش عايز الناس الوحشين يعرفوا إنه في البيت.. ولا حتى ماما تعرف."
"ناس وحشين مين؟"
ياسين هز راسه إنه مش عارف:
"بابا مش راضي يقول.. بس هو خايف أوي."
الولد وطى راسه وبدأ يلعب بصوابعه:
"قالي لو الناس الوحشين دول قفشوه.. كلنا هنبقى في خطر."
حسيت بـ ركبي سابت، وضهري سقع
"طب وطول النهار بيفضل فين؟"
"فوق في الرووف."
"وأول ما أنتِ بتمشي بيروح نازل يقعد في الصالون شوية، وساعات بيدخل المطبخ.. بس قبل ما طنط تيجي، بيطلع فوق جري."
"وهي طنط بتيجي الساعة كام؟"
"مش عارف."
ياسين هز راسه:
"بس بابا قالي إنه بيسمع صوت الأسانسير وهو طالع، أول ما الأسانسير يقف وتفتح الباب، بيطلع جري على فوق."
أنا قفلت كف إيدي وجزيت على سناني.
لو كلام ياسين صح..
يبقى دا معناه إن في الفترة اللي بين نزولي الصبح، وقبل ما الدادة توصل البيت.. فيه حد حقيقي بينزل من الرووف ويتحرك في الشقة.
والحد ده، في عقل ياسين، هو أبوه "شريف".
بس باب الرووف مقفول بالقفل!
أنا بنفسي مطلع ومفتشاه، والقفل عليه ترابه وملمسوش مخلوق.
إلا إذا...
الجدع ده مبيطلعش وينزل من الباب ده أصلاً!
بعد ما نزلت ياسين الحضانة، أخدت إذن نص يوم من المكتب.
رجعت الشقة، مطلعتش الرووف المرة دي، بس قلبت الشقة حتة حتة بفتش فيها.
أنا حافظة تفاصيل المكان ده شبر شبر.
أنا مهندسة ديكور ومعمارية، وإحنا بنشتري الدوبلكس ده أنا اللي مراجعة الرسومات الهندسية بتاعته بنفسي.
الدور الأول: الصالون، والمطبخ، وأوضة ياسين، وحمام الضيوف.
الدور التاني: أوضتنا الرئيسية، وأوضة المكتب، والطرقة اللي فيها سلم الرووف.
الرووف مساحته حوالي 15 متر، وسقفه واطي، يعني لو حد كبير دخل لازم يوطي راسه وهو ماشي.
فتشت الشبابيك كلها.
كلها متقفلة بالتروج من جوه.
الباب الرئيسي للشقة ملوش غير نسختين مفاتيح؛ نسخة معايا، والنسخة التانية مع شريف مسافر بيها ألمانيا - دا على حد علمه وعلى كلامه يعني.
والدادة كل يوم بتدخل بالباسورد (الرقم السري) اللي أنا مدياهولها للقفل الإلكتروني بتاع الباب.
مفيش أي حاجة غلط.
بس في الآخر، عملت حركة.
جبت موبايل قديم عندي، وحطيته
الكاميرا كاشفة الصالون والمطبخ بالمسطرة.
الموبايل استخبى ورا كام كتاب، اللي واقف برا مستحيل يلمحه.
وبعدين نزلت وعملت نفسي رايحة الشغل عادي.
طول اليوم وأنا في المكتب مش مركزة بمليم، دماغي بتودي وتجيب.
على الساعة اتنين الضهر مقدرتش أستحمل، لميت حاجتي واستأذنت ومشيت بدري.
وصلت البيت كانت الساعة تلاتة.
الدادة كانت لسه مصحية ياسين من نوم العصر.
"طنط أم أحمد.. هو كان فيه أي حاجة غريبة في الشقة النهاردة؟"
"لا يا بنتي، كله تمام والله."
وهي بتلبسه الجاكيت ردت:
"البيت هادي وزي الفل، بس ياسين مكنش راضي ينام الضهر خالص، كان عمال يقول مستني بابا."
مستني بابا..
قلت لها تاخده وتنزل بيه يلعب في الجنينة اللي تحت البرج، ودخلت أنا جري على الصالون، سحبت الموبايل القديم من وسط الكتب.
الشرطة بتاع البطارية كانت 12%.
مسجل من الساعة تمانية الصبح لحد تلاتة الضهر.. يعني يجي 7 ساعات متواصلة.
بدأت أجري الفيديو بسرعة.
الساعة 8:15.. لقطة وأنا بقفل الباب وبمشي.
8:20.. الدادة دخلت الشقة.
9:00.. الدادة أخدت ياسين ونزلوا يشتروا حاجات ويفكوا عن نفسهم.
وبعدها الصالون ظهر فاضي تماماً، والوقت بيعدي دقيقة ورا دقيقة في هدوء يرعب.
الساعة 9:43 دقيقة.
إصبعي وقف مكانه واتجمدت اللي ظهر في الفديو نشف الدم في عروقي!!!!! ........
إصبعي وقف مكانه واتجمدت.
في الزاوية اللي فوق على اليمين في الشاشة.. ناحية السلم.. ظهر خيال بني آدم مهزوز.
أقل من ثانيتين بالظبط.
كأن فيه حد طلع راسه يبص على الصالون، وأول ما لقى الدنيا أمان أو سمع حاجة.. رجع استخبى تاني في ثانية.
رجعت اللقطة دي وعيدتها يجي مية مرة.
الكاميرا جودتها مش عالية، والإضاءة كانت خافتة، بس باين وواضح
جسمه رفيع.
شعره طويل شوية.
لابس هدوم غامقة.
حركته سريعة وخفيفة زي الحرامية، كأنه بيتأكد الشقة تحت فاضية ولا لأ.
إيدي بدأت تترعش لدرجة الموبايل كان هيقع منها.
الساعة 10:07.. الدادة رجعت ومعاها ياسين.
وبعدها الدنيا مشيت طبيعي ومفيش أي حركة غريبة ظهرت تاني.
يعني...
الخيال ده ظهر بالظبط في الشوية اللي الدادة وياسين مكانوش فيهم في الشقة!
الحد ده عارف مواعيد البيت بالدقيقة..
الحد ده مستني وقاعد بيراقب وبيميز الأصوات.
الليلة دي، م رضيتش أكلم شريف فيديو، بعتله رسالة عادية على الواتساب:
"أخبار الشغل والمشروع إيه؟ مضغوط؟"
رد عليا في ثانية:
"الحمد لله ماشي الحال، بكرة عندي عرض مهم أوي للمرحلة الأساسية."
وبعدين كتب:
"في حاجة ولا إيه يا حبيبتي؟"
بصيت لشاشة الموبايل وكتبت:
"مفيش.. بس وحشتني أوي."
"وأنتم كمان وحشتوني أوي.. هانت كلها شهر وشوية وأكون عندكم."
شهر وشوية..
فتحت الفيديو تاني.
شفت اللقطة دي أكتر من عشر مرات.
الخيال مغبش والملامح مش باينة خالص.
بس الطول والجسم.. شبه شريف بالملي.
شريف طوله 182 سم، وجسمه رفيع، ومربي شعره نازل مغطي ودنه شوية.
هنا.. أنا أخدت قراري.
تاني يوم الصبح، نزلت على مول بتاع إلكترونيات في وسط البلد، واشتريت كاميرا مراقبة صغننة خالص (كاميرا spy) بتشتغل بخاصية الرؤية الليلية.
حجمها أصغر من غطا القزازة.
رجعت البيت، زرعتها في زاوية السلم في الدور التاني، باصة وموجهة دايركت على باب الرووف، وداريتها ورا ورق شجر صناعي محطوط في فازة كبيرة على جنب.
ربطتها بالـ (Wi-Fi) بتاع البيت، وبقيت أقدر أتابع اللي بتصوره لايف من على تليفوني وأنا برا.
خلصت ونزلت رحت شغلي عادي.
طول السكة وطول فترة الصبح، عيني منزلتش من على شاشة الموبايل بتابع الكاميرا.
الساعة
الساعة 9:38 دقيقة بالظبط.
باب الرووف... بدأ يتزق ويتفتح بالراحة من جوه!