حفلة جدتي حكايات زهرة
عشان تجيب الهدية دي."
سعاد اتنحت وقالت بسخرية: "يعني هنقلبها فيلم عربي دلوقتي؟"
أبويا بصلها… أول مرة في حياتي أشوفه يبصلها النظرة دي. نظرة خلتها تسكت فجأة.
وقال: "لا يا مدام سعاد… مش فيلم عربي." وسكت ثانية. "ده فرق تربية."
وشها قلب ألوان.
خالي منصور رفع عينه أخيرًا وقال بضيق: "مرسي… خلّي بالك من كلامك."
أبويا لف له بهدوء وقال: "وأنا طول عمري ساكت وعامل حساب العِشرة يا منصور… بس واضح إن سكوتي اتفهم غلط."
أنا حرفيًا كنت واقف مصدوم. أبويا عمره ما رد على حد. عمره ما دافع حتى عن نفسه.
لكن اللي حصل بعدها… محدش كان يتوقعه.
طلع من جيبه ظرف بني قديم شوية، وحطه قدام خالي على الطرابيزة.
"اتفضل."
خالي بصله باستغراب: "إيه ده؟"
"افتحه."
فتح الظرف… وفجأة وشه اتشد.
جواه مجموعة ورق… وعقد بيع.
سعاد قربت منه وقالت: "ماله؟"
خالي بلع ريقه وقال: "دي… دي عقود الأرض؟!"
القرايب بصوا لبعض باستغراب.
أبويا سند بإيده على الطرابيزة وقال: "الأرض اللي بنيت عليها البيت الأول… والورشة الكبيرة… وحتى معرض العربيات الصغير… كل ده متسجل باسمي أنا."
الصالة كلها انفجرت همس.
أنا نفسي حسيت إن قلبي وقف.
خالي اتوتر وقال بسرعة: "أنت بتقول إيه؟"
أبويا رد بمنتهى البرود: "بقول الحقيقة
وبعدين بص للكل: "لما أبو منصور مات وسابله ديون… كان هيتحبس. وأنا وقتها بعت نص ورشة أبويا وسددت عنه." "ولما حب يبني أول بيت… البنك رفض يديله قرض. فالأرض اتسجلت باسمي عشان سمعتي كانت نضيفة وماعنديش قضايا ولا شيكات."
سعاد فتحت بقها بذهول: "يعني… البيت ده…"
"أيوه. باسمي."
خالي حاول يضحك وقال: "يا عم مرسي ما إحنا أهل! دي شكليات."
أبويا لأول مرة صوته علي: "لا مش شكليات!" الكل اتخض.
"الشكليات دي هي اللي مخلياكم فاكرين نفسكم فوق الناس." "الشكليات دي هي اللي خلت مراتك تهين مراتي قدام الناس."
أمي كانت بتبصله كأنه شخص تاني.
أبويا كمل: "عمرك سألت نفسك ليه كل مرة تقع ألاقي نفسي واقف جنبك؟" "عمرك سألت نفسك مين اللي كان بيسد عجز شركاتك في السر؟"
خالي وشه بقى أحمر.
واحد من القرايب قال بدهشة: "يعني عم مرسي هو السبب في اللي أنتم فيه؟"
سعاد قالت بعصبية: "كلام إيه ده! منصور تعبان على نفسه!"
أبويا ضحك ضحكة صغيرة كلها وجع: "أنا ما قولتش إنه ما تعبش… بس اللي بيبدأ من الصفر غير اللي حد شايله وهو بيطلع."
وبعدين مد إيده ناحيتي وقال: "ابني اللي أنتِ بتقولي عليه خايب… جاله منحة من الجامعة الألمانية الأسبوع اللي فات."
الكل بصلي فجأة.
أنا اتصدمت.
كمل: "وكان رافض يقول لحد عشان ما يضغطش علينا بالمصاريف."
سعاد سكتت.
أبويا قرب من أمي وقال: "أما مراتي… فدي الست الوحيدة اللي عمرها ما عايرتني بفقري ولا ضعفي."
وبعدين حصلت اللحظة اللي عمري ما هنساها.
أبويا مسك مخدة المساج وحطها في حضن جدتي وقال: "دي أغلى هدية في القاعة كلها… لأن اللي جابها دفع فيها من راحته ولقمته مش من استعراضه."
جدتي كانت ساكتة… أول مرة أشوفها مكسورة بالشكل ده.
بس سعاد قامت بعصبية وقالت: "إحنا مش ناقصين دراما! يعني علشان ساعدت جوزي زمان تفضل تفكره باللي عملته؟"
أبويا بصلها وقال: "لا يا مدام سعاد… أنا عمري ما منّيت." "بس النهارده بس… حبيت أفكرك إن الناس اللي بتكسروهم بكلمة… ممكن يكونوا سندكم الحقيقي."
وبعدين لف ناحية خالي وقال: "وعلى فكرة… الشهر اللي فات البنك بعتلي إنذار." "فيه قسط متأخر باسمك بضمان أملاكي."
خالي اتجمد.
"وأنا دفعت القسط… زي كل مرة."
القرايب بقوا يبصوا لمنصور بطريقة مختلفة تمامًا.
ابن خالي هاني نزل الموبايل من إيده لأول مرة ومبقاش عارف يبص في عين حد.
أبويا أخد نفس طويل وقال: "بس كفاية لحد هنا." "أنا تعبت من دور الحيط اللي الكل يسند عليه ويشتمه."
وخد إيد أمي.
"يلا يا أميرة."
سعاد قالت
وقف وبصلها.
"الموضوع ما كبرش دلوقتي… الموضوع كان كبير من أول مرة كسرتوا خاطر مراتي وأنا ساكت."
الكلمة دي وقعت على قلبي أنا شخصيًا.
لأن دي الحقيقة. أبويا كان بيتكسر من زمان… وإحنا ما كناش شايفين.
وإحنا خارجين… سمعنا صوت جدتي بتنادي: "استنى يا مرسي."
وقفنا.
جدتي قامت بالعافية من على الكرسي، ومسكت مخدة المساج بإيديها. وبعدين بصت لأمي… ولأول مرة من سنين، شفت الندم في عينيها.
قالت بصوت مبحوح: "سامحيني يا بنتي."
أمي انفجرت في العياط.
أما سعاد، فكانت واقفة وشها مطفي، والناس كلها بقت تبصلها باحتقار بعد ما كانت من شوية ملكة القعدة.
وأكتر حاجة وجعتهم… إن أبويا ما شتمش، ولا قل أدبه، ولا عمل خناقة.
هو بس كشف الحقيقة.
وصدق اللي قال: في ناس فقيرة في جيبها… وفي ناس فقيرة في أصلها.
خرجنا من المطعم… وأول ما ركبنا العربية القديمة بتاعتنا، أمي فضلت تبص لأبويا كأنها بتشوفه لأول مرة.
وقالت وسط دموعها: "ليه ساكت كل السنين دي يا مرسي؟"
ابتسم وهو بيشغل العربية: "عشان كنت فاكر إن احترام العِشرة أهم من كرامتي."
سكت شوية… وبعدين قال الجملة اللي عمري ما هنساها:
"بس يوم ما الكرامة تقع… يبقى السكوت جبن."
وفي اللحظة دي…
حسيت إني راكب جنب جبل.