هجرت ابنتي طفلها
فكرتِ به بهذه الطريقة.
فقدت ابنتي صبرها.
أنا من أعطيتك الحياة!
خلع ياسر سماعاته تمامًا.
وهذا أخافني أكثر من أي صړاخ.
قال
أمينة علّمتني كيف أعيشها.
رفعت ريم يدها.
لا أعرف إن كانت ستشير إليه، أو تسكته، أو ټضرب الطاولة.
لكنها لم تصل إلى شيء.
تقدمت الأستاذة هبة خطوة.
سيدة ريم، تم تدوين ذلك. أنصحكِ ألا تتابعي.
أمسكها محاميها من ذراعها.
لنذهب.
قالت
لا.
كرر
ريم، لنذهب.
نظرت إليّ بكراهية.
أنتِ جعلته ضدي.
وللمرة الأولى منذ أحد عشر عامًا، لم تؤلمني كلماتها.
قلت
لا يا ابنتي. أنتِ تركتِه بعيدًا عنكِ، وانتظرتِ أن يعيده المال إليكِ.
التوى وجهها.
ستندمين.
شغّل ياسر التلفاز مرة أخرى.
ظهرت كاميرا المراقبة عند المدخل.
كل ما حدث منذ وصول ريم كان مسجلًا.
بما في ذلك ټهديدها.
تنهد الأستاذ سامر.
سيدتي، أرجوكِ لا ټغرقي أكثر.
نظرت ريم إلى الشاشة.
ثم إلى البيت.
ثم إلى ياسر.
كانت هناك ثانية واحدة، ثانية فقط، ظننت فيها أنها ستعتذر.
اعتذارًا حقيقيًا.
متواضعًا.
متأخرًا، لكنه إنساني.
لكنها أمسكت حقيبتها، وعدّلت شعرها، وقالت
الأمر لن ينتهي هنا.
أُغلق الباب خلفها.
وغادرت السيارة البيضاء، تاركة خلفها رائحة الوقود والعطر الغالي.
لم يتكلم أحد لبعض الوقت.
في الخارج، بقيت عمّان هادئة، بذلك الهدوء المخادع للمدن الكبيرة. سمعنا بائعًا ينادي على الخبز. ومن بعيد نبح كلب. وفي المطبخ بدأ الأرز يلتصق بقاع القدر.
ركضت لإطفاء الڼار.
كانت يداي ترتجفان لدرجة أنني كدت أسقط الغطاء.
وعندما عدت، كان ياسر ما زال جالسًا.
الجهاز اللوحي مطفأ.
ونظره ثابت على الستارة الزرقاء.
جلست على ركبتي
يا بني.
تأخر في الرد.
رأسي يؤلمني.
أجهز لك غرفتك.
لا.
نظر إليّ.
كانت عيناه جافتين، لكنهما متعبتان.
هل فعلت الصواب؟
انكسرت.
ليس پبكاء جميل.
بل بنشيج قديم، نابع من سنوات طويلة.
فعلت أكثر مما استطعنا جميعًا فعله.
فكر في الجملة.
ثم قال
كنت خائفًا.
وأنا أيضًا.
لم أرد أن تأخذ منكِ البيت.
هذا البيت لا يساوي شيئًا أمامك.
قطّب جبينه.
بل يساوي. فيه حديقة. وإضاءة قابلة للتخفيف.
ضحكت وأنا أبكي.
وابتسم هو قليلًا.
خط صغير جدًا، يكاد لا يُرى.
لكنه بالنسبة لي كان فجرًا.
في تلك الليلة، تركت الأستاذة هبة إجراءات حماية مؤقتة. لم يعد بإمكان ريم الاقتراب دون إشعار أو ضغط. وسيبدأ إجراء لمراجعة التخلي، وحماية ياسر، وتثبيت ما كان حقيقة بلا ختم طوال أحد عشر عامًا
أنني كنت بيته.
بقي الأستاذ سامر حتى وقت متأخر.
راجع الصندوق الائتماني، والأوراق الموثقة، والأدلة. شرح لي أن الطريق ما زال طويلًا، وأن المحاكم ليست عصا سحرية، وأن العدالة كثيرًا ما تمشي ببطء وتعب.
لكنها تمشي.
والآن صار لدينا شيء لم يكن لدينا من قبل.
صوت ياسر.
في اليوم التالي، قبل الذهاب إلى الجهة المختصة، أعددت له فطوره المفضل أرز، وبيض دون أطراف محمرة، وموز مقطع إلى دوائر متساوية. رتّب كل دائرة كأنها كوكب.
قال
أمينة.
نعم يا بني؟
عندما أبلغ الثامنة عشرة، أريد أن أنشئ مؤسسة.
من أجل ماذا؟
من أجل الجدات بلا أوراق.
شعرت بضړبة في صدري.
الجدات بلا أوراق؟
نعم. اللواتي يعتنين، لكن القانون لا يراهن بسرعة. ومن أجل الأطفال الذين لا يستطيعون الشرح.
جلست
أمامه.
كان ضوء الصباح يدخل
قلت له
أمك لم تستطع أن تأخذ منك شيئًا.
رفع نظره.
بل استطاعت.
تجمدت.
ماذا أخذت؟
قال
سنوات.
لم أعرف ماذا أقول.
أخذ قطعة موز ووضعها في طبقي.
لكنها لم تستطع أن تأخذكِ مني.
في ذلك اليوم، مشينا في وسط عمّان بعد الموعد. مررنا بشوارع مزدحمة، ومحال صغيرة، وباعة يبيعون الخبز والقهوة، وناس يلتقطون الصور تحت الشمس. كان ياسر يضع سماعاته وقبعة رمادية. وكنت أحمل ملفه ملتصقًا بصدري كما كنت أحمل حفاضاته وتشخيصاته ومخاوفه من قبل.
توقفنا أمام درجٍ حجري قديم.
عدّ ياسر الدرجات بصوت منخفض.
لم أقاطعه.
وعندما انتهى، قال
الشيء يبدو قويًا لأن هناك أشياء كثيرة تسنده.
نظرت إليه.
هكذا نحن.
هز رأسه.
لا. أنتِ سندتِ أولًا.
اشترينا حلوى صغيرة من محل قريب. جرّب ملعقتين فقط لأن قوامها لم يعجبه، لكنه قال إن لونها مريح. وللاحتفال، طلب أن نصنع الفطائر يوم الأحد، لا من أجل الحاجة، بل من أجل المتعة.
وهكذا فعلنا.
في يوم الأحد، امتلأ المطبخ بالعجين والبخار والرائحة الدافئة. كنت أبيع الفطائر سابقًا كي ننجو. أما تلك المرة، فصنعتها كي أتذكر أننا نجونا.
صمم ياسر ملصقًا جديدًا للأكياس
فطائر أمينة مصنوعة بالصبر.
سألته
لماذا الصبر؟
ربط الكيس بصعوبة.
لأنه المكوّن الأساسي.
بعد أشهر، استمع القاضي إلى ياسر.
حضرت ريم دون كعب عالٍ. دون حقيبة فاخرة. دون ابتسامة. تحدث محاميها قليلًا. أما محامينا، فقدم كل شيء التخلي، انقطاع التواصل، غياب أي مساهمة، محاولة الوصول إلى المال، الټهديد المسجل، وتقييم وحدة الحماية.
وعندما سألوا ياسر
انتظرت القاعة.
وانتظرت أنا.
قال
أريد أن أعيش مع أمينة. أريد ألا تدير ريم مالي. أريد أن أقرر لاحقًا إن كنت سأراها. وأريد ألا يقول أحد إنني لا أفهم فقط لأنني أتكلم بطريقة مختلفة.
صمت القاضي.
ثم أومأ.
لم يكن المشهد مثل الأفلام.
لم يكن هناك تصفيق.
ولم تعزف موسيقى.
لكن عندما صدرت التدابير، وعندما اعترفوا برعايتي، وعندما حُمِيَت أمواله، وعندما قيل بوضوح إن الأمومة البيولوجية لا تمحو أحد عشر عامًا من التخلي، شعرت أن الأرض تعود تحت قدميّ.
خرجت ريم بسرعة.
وفي الممر لحقت بي.
أمي.
توقفت.
كان ياسر يمشي مع الأستاذ سامر على بعد خطوات، ولم يلتفت.
كانت عينا ريم حمراوين.
لم أعرف هل كان ذلك من الڠضب أم من الحزن.
قالت
هل لن يسامحني أبدًا؟
نظرت إليها.
رأيت ابنتي.
ورأيت المرأة التي سړقت نومي.
ورأيت الأم التي لم تعرف كيف تكون أمًا.
ورأيت أيضًا تلك الطفلة التي ربيتها وهي تظن أن الحب سيكون حاضرًا كلما قررت العودة.
قلت
لا أعرف. لكن إذا سامحك يومًا، فسيكون ذلك من أجله هو لا من أجلك.
خفضت رأسها.
لا أعرف كيف أكلمه.
قلت
ابدئي دون أن تطلبي شيئًا.
لم تجب.
واصلت المشي.
كان ياسر ينتظرني في
نهاية الممر، تحت نافذة يدخل منها ضوء أبيض. كانت سماعاته في أذنيه وكتفاه مشدودين، لكنه كان هناك.
كان ينتظرني.
سأل
جاهزة؟
ابتسمت.
جاهزة.
قال
في الخارج ضجيج.
كثير.
إذًا نمشي ببطء.
خرجنا معًا.
كانت الشارع مليئًا بالسيارات، والباعة، والناس المستعجلين، والحياة. كان العالم ما زال عالي الصوت عليه، وما زال قاسيًا عليّ. لكننا لم نعد مختبئين تحت الطاولة.
عند الزاوية،
ثلاث ثوانٍ فقط.
لكنها كانت كافية.
قال
أمينة.
نعم يا بني؟
يمكنكِ الآن أن تتوقفي عن الخۏف.
سقطت شمس عمّان علينا كبركة هادئة.
وللمرة الأولى منذ أحد عشر عامًا
صدقته.