سر جدي حكايات زهرة
بس قدامه كان فيه بلاطة من أرضية العشة متشالة، وتحتها حفرة مش غويطة، بس اللي طالع منها كان يخلي العقل يطير.
جدي التفت ليا ببطء، وفي إيده كانت صرة قماش قديمة، مهلهلة ومتربة، بس رنة المعدن اللي جواها كانت واضحة وصريحة. بص لي وعينه كانت مليانة دموع، بس مش دموع ضعف، كانت دموع واحد شايل حمل تقيل بقاله سنين وجه الوقت إنه يرميه.
تعال يا محروس.. اقفل الباب وراك يا ابني.
صوته كان هادي بشكل غريب، هدوء ما قبل العاصفة. قفلت الباب وإيدي بترعش، وزينب كانت بره بتنادي في إيه يا محروس؟ جرى إيه؟، مردتش عليها، كنت في عالم تاني خالص.
جدي قعد على طرف السرير القديم، وحط الصرة على حجره وفتحها. النور الضعيف اللي داخل من شباك العشة عكس لمعة دهب قديم.. غوايش عريضة، وسلاسل تقيلة، وعملات ذهبية ليرات من بتاعة زمان.
إيه ده يا جدي؟ دهب؟ ومخبي كل ده هنا؟
جدي اتنهد تنهيدة شقت صدري وقال الدهب ده يا ابني هو سبب شقايا وسر عذابي. دهب ستك الله يرحمها، وشقا عمري في الغربة زمان. شلته للزمن، وقلت مش هطلعه إلا لما الدنيا تضيق بيا أوي، أو لما أعرف مين اللي يستاهل يصون اللقمة والدم.
سكت شوية وبص لخرم في سقف العشة وكمل عمك الكبير عرف بموضوع الدهب
أنا كنت بسمع وكأني في حلم. يعني عمي عارف؟
جدي هز راسه بأسى عارف وطمعان. بس أنا جيت هنا عشان أختبركم. كنت بشوف زينب وهي بتقلب وشها، وكنت بسمع كلامها اللي زي السم، بس كنت بشوفك أنت يا محروس.. كنت بشوف في عينك الخوف عليا، واللقمة اللي كنت بتشيلها من بؤك عشان تديهالي وأنا عامل نفسي مش واخد بالي. كنت مستني اللحظة اللي هتبيعني فيها يا ابني، بس أنت مبعتنيش.
في اللحظة دي الباب اتفتح وزينب دخلت وهي بتقول أنت مبتردش ليه يا محرو...!
وقفت مكانها، عيونها برقت، وبؤها اتفتح من الصدمة وهي شايفة الدهب اللي مالي حجر جدي. جدي بصلها بجمود وقال ادخلي يا زينب.. ادخلي شوفي الحمل التقيل اللي كان هيقطم ضهرك.
زينب مقدرتش تنطق، وشها احمر واصفر، وبدأت تتلعثم يا جدي.. أنا.. أنا مكنتش أقصد.. ده الضيق بس.. والظروف..
جدي رفع إيده وسكتها الظروف بتبين المعادن يا بنتي. والدهب ده ميسواش حاجة قدام لقمة هنية بتتقدم بحب. الدهب
أنا قلبي كان بيدق بعنف لأ يا جدي، ده مالك أنت، إحنا نخدمك برموش عنينا من غير حاجة.
جدي ابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة أنا خلاص يا ابني، رجلي والقبر. ماليش في الدنيا غير إني أشوفك مستور. بس فيه شرط واحد.
بصينا له أنا وزينب باهتمام، كمل جدي وصوته بقى حازم عمك لو عرف، هياكل وشكم. لازم نخرج من هنا. الدهب ده يتباع في القاهرة، والبيت ده يتساب، ونروح مكان محدش يعرفنا فيه. أنا مش عايز مشاكل، ولا عايز عمك يوصل للحاجة دي.
وفعلاً، في خلال أسبوع، كان محروس مرتب كل حاجة. باع الدهب بمبلغ خيالي، مبلغ يخلي الواحد يعيش باشا طول عمره. اشترى شقة واسعة في حي راقي بعيد عن منطقتهم القديمة، وجهزها بأحسن عفش.
يوم الرحيل، عم محروس جه يزورهم زيارة مراكبيه عشان يشوف جده مات ولا لسه. اتفاجئ بالعفش وهو بيتحمل في عربيات نقل كبيرة.
عم محروس باستغراب على فين يا محروس؟ وإيه العفش الجديد ده؟ جبت فلوسه منين؟
محروس بص لعمه بجمود، ورد بكلمة واحدة رزق الغلابة يا عمي. ربنا فتحها علينا، وقررنا نريح جدي في مكان يليق بمقامه.
العم عينه زاغت
طلع الجد من العشة، لابس جلباب جديد ومنور، وساند على عكاز خشب أبنوس غالي. بص لابنه الكبير وقال بلهجة فيها تشفي مكتوم أنا رايح أعيش اللي باقي لي مع اللي صانوني يا حامد. البيت اللي ميسعش العجوز، ميسعش البركة.
ركبوا العربية ومشيوا، وسابوا العم واقف في نص الشارع يضرب أخماس في أسداس، مش فاهم إيه اللي حصل وإزاي الفقير ده بقى فجأة صاحب مال وجاه.
في البيت الجديد، زينب اتغيرت تماماً. مش بس عشان الفلوس، لا، الصدمة خلتها تفوق لنفسها. شافت إزاي إن الصبر والرضا بيجيبوا رزق من حيث لا تحتسب. بقت تشيل جدي في عيونها، وتتفنن في أكله وشربه.
جدي قعد في بلكونة الشقة الجديدة، باصص للنيل، وسيد الصغير بيلعب حواليه. محروس قرب منه وحط إيده على كتفه مرتاح يا جدي؟
جدي بص له بحب وقال الراحة مش في الشقة الواسعة يا محروس، الراحة في القلوب اللي وسعتني وأنا ماليش لازمة.. دلوقت بس أقدر أموت وأنا مطمن إن الأصل لسه موجود في ولادي.
ومرت الأيام، وزينب خلفت ولد سموه رضوان على اسم جده، وعاشوا في هنا ورغد، وفضل سر أوضة الكراكيب حكاية بيحكيها محروس لأولاده عشان يعلمهم إن البركة دايما بتيجي مع الغلابة والناس الطيبة اللي بنفتكرهم حمل،