زوجي يضع لي السم
فتحْتُ عينيّ على اتساعهما وأنا أحدّق في الباب.
الطرقات الثلاث لم تكن عادية.
لم تكن طرقات رجل يبحث عن زوجته فقط
بل طرقات شخص يعتقد أنه يملك كل شيء خلف هذا الباب.
ليان شهقت پخوف وضمّت آدم إلى صدرها حتى بدأ الطفل بالبكاء أكثر.
أما أنا
فوضعت فنجان القهوة بهدوء شديد فوق الطاولة.
ثم أمسكت عصاي الخشبية.
وعاد الطرق من جديد.
أقوى هذه المرة.
افتحي الباب يا حاجة!
كان صوته خشنًا، ممتلئًا بالڠضب والسيطرة.
نظرتُ إلى ليان.
كانت ترتجف بالكامل.
حتى شفتيها فقدتا لونهما.
همست
إنه سامر
اقتربتُ منها بسرعة وقلت
خذي الطفل وادخلي إلى غرفة النوم. الآن.
لكن
بدون نقاش.
ركضت بخطوات مرتبكة نحو الغرفة الصغيرة في آخر الممر، بينما بقيت أنا واقفة أمام الباب.
عاد الطرق مرة أخرى.
ثم صاح بصوت أعلى
أعرف أنها هنا!
ابتسمت ببطء.
ذلك النوع من الابتسامات الذي لا يظهر إلا حين تصل امرأة عجوز إلى مرحلة لا يعود فيها للخوف مكان داخلها.
فتحت الباب أخيرًا.
كان سامر طويلًا وعريض الكتفين، تفوح منه رائحة دخان ثقيل وڠضب أعمى.
نظر خلفي فورًا.
ثم قال بحدة
زوجتي هنا.
رفعت حاجبيّ ببرود
وهل أصبحت تدخل بيوت الناس دون سلام؟
نظر إليّ وكأنه لم يتوقع أن أرد بهذه الطريقة.
ثم حاول أن يتماسك وقال
هي
كدت أضحك.
دون إذني.
كأنها قطعة أثاث.
كأنها ليست إنسانة.
قلت ببطء
وهل زوجتك سجينة عندك؟
اشتد فكّه.
هذا شأن عائلي.
حين تصل المرأة إلى باب جارٍ وهي تبكي كل يوم، يصبح شأنًا إنسانيًا.
اتسعت عيناه فجأة.
وفي تلك اللحظة فقط فهم أنه تكلّم أكثر مما ينبغي أمامي خلال الأشهر الماضية دون أن يشعر.
اقترب خطوة.
اسمعي يا خالة لا تدخلي نفسك في أمور لا تخصك.
رفعت عصاي قليلًا.
وأنت اسمع يا ابني أنا ربيت رجالًا قبلك. فلا ترفع صوتك في بيتي.
تجمّد للحظة.
ربما لأن أحدًا لم يجرؤ على الوقوف بوجهه منذ وقت طويل.
وربما لأنه كان يظن أن العمر يعني الضعف.
لكنه لم يكن يعلم أن بعض النساء يزداد صلابة بعد السبعين.
حاول أن ينظر داخل الشقة مجددًا.
فأغلقت الباب نصف إغلاق وقلت
زوجتك ليست هنا.
أنت تكذبين.
وأنت قليل أدب.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم فجأة
رنّ هاتفه.
نظر إلى الشاشة بسرعة.
وتغيّرت ملامحه للحظة قصيرة جدًا لكنها لم تختفِ عن عينيّ.
ابتعد خطوتين وأجاب بصوت منخفض
قلت لك لا تتصل الآن.
شعرت بشيء غريب.
خوفه لم يكن من الشرطة.
ولا من هروب زوجته.
كان خائفًا من شخص آخر.
أنهى المكالمة بسرعة ثم عاد ينظر إليّ.
لكن هذه المرة لم يكن الڠضب وحده في عينيه
بل التوتر أيضًا.
قال ببرود
إذا جاءت إلى هنا مرة أخرى أخبريني.
ابتسمت بسخرية
طبعًا. وسأحضر لك القهوة أيضًا.
رمقني بنظرة حادة ثم غادر.
بقيت أراقب خطواته حتى اختفى عند المصعد.
ثم أغلقت الباب بسرعة.
كانت ليان جالسة على الأرض في الغرفة وهي تبكي بصمت، بينما آدم نائم من شدة الإرهاق.
جلست بجانبها.
ولأول مرة منذ عرفتها
اڼهارت بالكامل.
دفنت وجهها في يديها وقالت
سيقتلني.
وضعت
يدي على كتفها.
لا. لن يفعل.
أنت لا تعرفينه.
بل أعرف هذا النوع جيدًا.
رفعت رأسها نحوي ببطء.
فقلت
الرجال الذين يخيفون النساء داخل البيوت ينهارون عندما يواجههم أحد.
لكن داخلي
لم يكن مطمئنًا.
لأن تلك المكالمة الهاتفية لم تغادر رأسي.
وفي تلك الليلة، لم تنم ليان في شقتها.
أغلقتُ الأبواب والنوافذ جيدًا، وأعددت لها فراشًا قرب غرفتي.
أما أنا
فجلست قرب النافذة أراقب الشارع.
وعند الثانية بعد منتصف الليل
رأيته.
سامر.
كان واقفًا داخل سيارته السوداء في الجهة المقابلة من الشارع.
لا يتحرك.
لا ېدخن.
لا ينظر إلى هاتفه.
فقط يحدّق نحو بنايتنا.
وكأنه ينتظر شيئًا.
أو شخصًا.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
ثم حدث ما لم أكن أتوقعه أبدًا.
وصلت سيارة أخرى.
فاخرة جدًا.
نزل منها رجل أنيق يرتدي بدلة سوداء.
اقترب من سيارة سامر.
وبدآ يتشاجران بعصبية.
لم أسمع الكلمات
لكنني رأيت سامر ېصرخ.
ثم رأيت الرجل الآخر يدفعه پعنف.
وبعد ثوانٍ فقط
أخرج سامر ظرفًا بنيًا من داخل السيارة وسلّمه له.
الظرف نفسه كان يبدو ممتلئًا بالأوراق أو المال.
غادر الرجل الأنيق بسرعة.
أما سامر
فبقي واقفًا في الشارع يضرب سيارته بيده پغضب.
ثم رفع رأسه فجأة نحو شقتي.
وشعرت للحظة
أنه رآني خلف الستارة.
ابتعدت بسرعة عن النافذة وقلبي ينبض بقوة.
وفي الصباح التالي، استيقظت على صوت ليان تبكي من جديد.
دخلت المطبخ بسرعة فوجدتها ممسكة بهاتفها القديم الذي أخفيته لها.
كانت الشاشة مضاءة على رسالة واحدة فقط.
رسالة جعلت الډم يتجمّد في عروقي.
إذا لم تعودي اليوم ستندمين على شيء أغلى من حياتك.
وتحت الرسالة
صورة.
صورة لآدم
وهو نائم داخل سريره في الشقة.
لكن آدم كان بجانبنا طوال الليل
شهقتُ بقوة وانتزعت الهاتف من يد ليان.
أعدت النظر إلى الصورة مرة ثم مرتين
آدم كان فعلًا نائمًا في سريره داخل الشقة.
نفس الغطاء الأزرق.
نفس الدمية الصغيرة بجانبه.
لكن الطفل الحقيقي كان الآن بين ذراعي أمه يرتدي ملابس مختلفة وينظر إلينا بعينين مرهقتين.
همست ليان بصوت مرتجف
مستحيل مستحيل
لكنني كنت أعرف الحقيقة قبلها بثوانٍ.
الصورة لم
كانت رسالة ټهديد فقط.
صورة قديمة أراد سامر أن يقول بها شيئًا واحدًا
أنا أراقبكم.
أخذت نفسًا عميقًا وقلت
اهدئي يريد إخافتك فقط.
لكنها لم تهدأ.
جلست على