زميلتي في العمل
إصرارها أن آكل.
رسائلها اليومية.
سؤالها المتكرر إن كنت أنهيت الطعام كاملًا.
طريقة شمّ القط للكليجة كل صباح قبل أن يأكلها.
الرائحة الثقيلة التي كنت أشمها كلما فتحت العلبة.
واختفاء القط في اليوم نفسه الذي بدأت فيه الشرطة الحفر قرب الجزيرة الوسطية.
أغلقت العلبة بسرعة وأعدتها إلى المجمّد، ثم بقيت واقفة في المطبخ لثوانٍ طويلة أحدق في الفراغ، بينما قلبي يخفق بعنفٍ مؤلم.
وفي تلك الليلة…
لم أستطع النوم إطلاقًا.
كلما أغمضت عينيّ، رأيت القط الرمادي الصغير وهو يركض نحوي كل صباح بثقةٍ بريئة، ثم تختفي صورته فجأة وسط التراب الأسود والأكياس المدفونة.
وفي لحظة ما قرب الفجر، نهضت مذعورة وذهبت إلى المطبخ فقط لأتأكد أن العلبة ما زالت داخل المجمّد، وكأن مجرد وجودها في البيت أصبح يخيفني.
وفي الصباح التالي، لم أذهب إلى الشركة.
ظللت لساعات أحدق في الطعام داخل الثلاجة وكأنني فقدت قدرتي على الوثوق بأي شيء يدخل بيتي.
حتى كوب الماء أصبحت أشربه بعد تردد.
لكن بعد يومين، قررت الذهاب إلى الشركة رغم أنني لم أكن أملك أي طاقة لمواجهة أحد.
كنت فقط أحتاج أن أرى أمينة.
أن أنظر إليها مباشرة وأسألها عمّا يحدث.
عدتُ إلى الشركة، وما زالت صور الشريط الأصفر وسيارات الشرطة عالقة في رأسي كالكابوس.
الموظفون كانوا يتهامسون في الممرات كلما مررت.
البعض ينظر إليّ بشفقة…
والبعض الآخر بخوفٍ مكتوم، وكأنني جزء من شيءٍ لم يفهمه
لكن الشيء الذي شدّ انتباهي فور دخولي…
كان مكتب أمينة.
فارغًا.
الكرسي مرتب.
الشاشة مطفأة.
ولا أثر لها.
اقتربت من إحدى الموظفات وسألتها بصوت منخفض:
“أين أمينة؟”
ترددت قليلًا قبل أن تجيب:
“الشرطة أخذتها صباح أمس.”
شعرت بشيء يهبط داخل صدري.
“أخذتها؟ لماذا؟”
هزّت كتفيها بتوتر:
“يقولون إنهم وجدوا في شقتها أكياسًا مشابهة لتلك التي عُثر عليها قرب الشركة… وحتى دفاتر ورسائل غريبة.”
تجمّد الدم في عروقي.
وفي تلك اللحظة تحديدًا…
رنّ هاتفي.
كان رقمًا مجهولًا.
وحين أجبت، جاءني صوت الرجل نفسه الذي حقق معي قبل يومين.
“نحتاج حضوركِ مجددًا.”
ذهبت إلى مركز الشرطة وأنا أشعر بأن ساقيّ لا تحملانني.
وفي غرفة التحقيق نفسها، جلس الضابط أمامي بصمتٍ طويل، ثم دفع نحوي ملفًا سميكًا.
قال بهدوء:
“زميلتكِ اعترفت بكل شيء.”
رفعت رأسي نحوه ببطء، بينما شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
“ماذا… تقصد؟”
فتح الملف وأخرج عدة صور.
صور لأكياس مدفونة.
وعظام حيوانات صغيرة.
وأوراق ملفوفة بخيوط داكنة.
وصور لرسائل مكتوبة بخط اليد وأسماء مكررة داخل دفاتر صغيرة.
ثم قال:
“بعد تفتيش شقتها، وجدنا بقايا مشابهة لما دُفن قرب الشركة، كما وجدنا مراسلات بينها وبين رجل يدّعي معالجة الناس بالأعمال والطقوس.”
شعرت بالغثيان.
همست بصعوبة:
“لكن…
ظل صامتًا لثوانٍ قبل أن يقول:
“قالت إن زوجكِ كان خطيبها قبل سنوات.”
توقفت أنفاسي.
حدّقت فيه بعدم تصديق.
“ماذا؟”
“اعترفت أنه تركها فجأة وتزوجكِ بعدها بفترة قصيرة.”
بدأت ذاكرتي تتحرك ببطء.
سيف فعلًا لم يكن يحب الحديث عن سنوات الجامعة.
وكان دائم التهرب كلما سألته عن علاقاته القديمة.
تابع الضابط بصوت هادئ:
“قالت إنها لم تستطع تقبّل الأمر، وكانت تعتبركِ السبب في ضياع حياتها، لذلك ظلت تتابع أخباركما منذ زواجكما.”
شعرت بيديّ ترتجفان فوق الطاولة.
ثم أكمل:
“بحسب اعترافها، ذلك الرجل أقنعها بأن استمرار دخول الطعام إلى حياتكِ يوميًا، مع دفن بقايا الحيوانات في الأماكن التي تمرّين بها باستمرار، سيجلب لكِ الأذى ويخرّب حياتكِ بالتدريج.”
أخفضت بصري فورًا، بينما شعرت ببرودةٍ تسري في أطرافي.
أغمضت عينيّ بقوة.
وفجأة…
تذكرت كل شيء.
إصرارها أن آكل.
رسائلها اليومية.
اختفاء القط.
الرائحة العالقة حولها دائمًا.
وطريقة القط في شمّ الطعام كل مرة قبل أن يأكله.
همست بصوت مرتجف:
“والقط؟”
نظر الضابط إلى الملف للحظة قبل أن يجيب:
“وجدناه خلف المبنى.”
صمت لثانية قصيرة قبل أن يكمل بهدوء:
“يبدو أنه كان يأكل من الطعام يوميًا منذ فترة… والطبيب البيطري أكد وجود بقايا لحم فاسد ومواد غريبة داخل معدته.”
شعرت وكأن شيئًا انكسر داخلي بالكامل.
ذلك القط الصغير…
كان يأكل الطعام بدلي طوال شهر كامل.
وربما القطع القليلة التي أكلتها أنا أيضًا كانت السبب في الإرهاق والصداع اللذين لازماني طوال الأسابيع الأخيرة دون أن أفهم السبب.
خرجت من مركز الشرطة وأنا أشعر بأن المدينة كلها أصبحت غريبة.
وحين عدت إلى المنزل، واجهت سيف بكل شيء.
في البداية أنكر.
لكنه بدا متوترًا بشكلٍ واضح، يجيب بسرعة ويتجنب النظر إليّ، قبل أن يجلس أخيرًا بصمتٍ طويل ويدفن وجهه بين كفيه.
ثم قال بصوت منخفض:
“كنت مخطوبًا لها فعلًا.”
رفعت عيني نحوه بصمت.
فأكمل بصوت متعب:
“بعد انفصالنا بفترة، بدأت ترسل لي رسائل كثيرة… ثم اختفت فجأة. ظننت أن الأمر انتهى منذ سنوات.”
لم أبكِ.
لم أصرخ.
كنت أشعر فقط بفراغٍ هائل داخلي.
قال إنه لم يتوقع أبدًا أن تصل بها الكراهية إلى هذا الحد.
لكن شيئًا بداخلي لم يعد كما كان.
وفي الليالي التالية…
بدأت الكوابيس.
استيقظ أحيانًا على صوتي وأنا أصرخ.
وأحيانًا، وفي لحظاتٍ متفرقة من الليل، كنت أشم تلك الرائحة نفسها فجأة داخل البيت، فأشعر بقلبي يتجمد للحظة قبل أن تختفي من جديد.
حتى إنني أصبحت أخاف تناول أي طعام لا أعدّه بنفسي.
وأحيانًا، كنت أستيقظ فقط لأتفقد أبواب المطبخ والثلاجة، وكأن الخوف تسلل إلى أبسط تفاصيل حياتي.
وفي النهاية…
أخذتني أمي إلى شيخ معروف بالرقية.
قرأ القرآن طويلًا داخل البيت.
ثم نظر إليّ بهدوء وقال:
“ليس
ومنذ ذلك اليوم…
لم تعد سورة البقرة تنقطع من البيت.
وأصبحت أداوم على الأذكار كل صباح ومساء.
لا خوفًا فقط…
بل لأنني أدركت شيئًا مرعبًا:
أن بعض البشر لا يؤلمهم حزنهم بقدر ما يؤلمهم أن يروا غيرهم سعيدًا.
وأن أصحاب القلوب المريضة قد يحاولون هدم النعمة بدلًا من مواجهة أنفسهم.
أما أنا…
فحتى اليوم، كلما رأيت قطًّا شاردًا في الشارع…
أتذكر ذلك القط الصغير الذي مات بصمت، بينما كان دون أن يفهم يحميني كل يوم.