كذبت على والدي

لمحة نيوز


على رائحة خبز الرقاق الساخن.
خرجت من الغرفة فوجدت خالتي قد أعدت الفطور بنفسها.
الجبن الأبيض.
والبيض.
وكوب شاي بالحليب تفوح منه رائحة الهيل.
جلست أمام الطعام بصمت.
راقبتها للحظات وهي تتحرك داخل المطبخ الصغير، وفجأة تذكرت أمي.
الطريقة نفسها في إعداد الشاي.
والرائحة نفسها.
حتى نظرة القلق في عينيها كانت تشبهها.
ابتلعت الغصة في حلقي بصعوبة.
ثم قلت بهدوء
لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها اليوم.
نظرت إليّ خالتي وكأنها فهمت كل شيء دون شرح.
اكتفت فقط بسؤال واحد
هل أنت متأكد مما ستفعله؟
أومأت ببطء.
هذه المرة
لم أكن أتصرف بعاطفة.
بل بحساب.
غادرت الشقة بعد قليل، واتجهت إلى أحد مراكز الطباعة.
جلست أمام الحاسوب، ثم دخلت إلى موقع نتائج القبول الجامعي.
98 7٪.
المرتبة التاسعة والثمانون على مستوى الدولة.
حتى الموظف الذي كان يقف خلف الطابعة نظر إليّ بدهشة وهو يرى النتيجة.
طبعت الورقة أكثر من مرة، ثم وضعتها داخل ظرف بني بعناية.
بعدها ذهبت إلى البنك، وسحبت مدخراتي القليلة.
لم تكن مبلغًا كبيرًا
لكنها كانت كافية لأبدأ.
وعندما خرجت من البنك، وقفت للحظات أحدق نحو البحر البعيد.
ثم أجريت مكالمة واحدة فقط.
رد الرجل سريعًا
السلام عليكم.
قلت بهدوء
وعليكم السلام، أستاذ خالد. معك سالم المنصوري.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تغير صوته فورًا
سالم؟ ابن رحمة؟ كيف أستطيع

مساعدتك؟
أغمضت عيني للحظة.
ثم قلت ببطء
لقد بلغت الثامنة عشرة وحان الوقت لأستعيد ما تركته لي أمي.
الجزء الثاني
ردّ المحامي خالد بنبرة امتلأت بالجدية والاحترام
أهلاً بك يا سالم. كنت أنتظر هذا الاتصال منذ سنوات. والدتك، رحمها الله، كانت بعيدة النظر. لقد تركت لديّ كل الأوراق القانونية التي تثبت ملكيتك المطلقة للفيلا، بالإضافة إلى حساب بنكي مغلق لا يحق لأحد التصرف فيه أو معرفة قيمته سواك بعد بلوغك الثامنة عشرة.
اتفقنا على اللقاء في اليوم التالي بمكتبه في دبي.
في مكتب المحامي كشف الأوراق
في الصباح، دخلت مكتب الأستاذ خالد. استقبلني بحفاوة بالغة، ووضع أمامي ملفاً أسوداً سميكاً.
قال وهو ينظف نظارته
سالم، والدك حاول مراراً وتكراراً الوصول إلى هذه الأوراق، وحاول إقناعي بأنك غير مؤهل لإدارة أملاكك. لكن وصية والدتك كانت صارمة كالسيف لا تُسلم الأوراق إلا لسالم شخصياً، وبشرط أن يكون قد أتم الثامنة عشرة.
وقعّت على الأوراق الرسمية، ونقل الملكية الفورية للفيلا المطلة على البحر باسمي بالكامل. وقبل أن أغادر، سألني المحامي بخبث ذكي
وماذا عن والدك؟ هل يعلم أنك هنا؟
ابتسمت بهدوء وقلت
سيعلم قريباً جداً... بطريقتي الخاصة.
اللحظة الحاسمة ليلة الحفل الفاخر
مر أسبوع كامل. كان هذا هو الأسبوع
الذي أقام فيه والدي الحفلة الأسطورية للؤي بمناسبة نجاحه المزعوم ودخوله
الجامعة. أنفق فيها مئات الآلاف كي يستعرض أمام عائلة المنصوري والناس.
ارتديت كِندورتي البيضاء الفاخرة، وساعة أمي القديمة في معصمي، وتوجهت إلى القاعة الفاخرة في دبي.
دخلت وسط صخب الموسيقى ورائحة العود الأزرق. كان والدي يقف في المنتصف، يضحك ويمسك بيد لؤي وموزة بزهو.
عندما وقعت عيناه عليّ، تلاشت ابتسامته وحلّ محلها الغضب والارتباك. اقترب مني بسرعة وهمس بنبرة حادة
ما الذي أتى بك إلى هنا؟ ألم أطردك؟ كيف تجرؤ على إحراجي أمام الضيوف بملابسك وهيئتك بعد أن رسبت وفضحتنا؟
نظرت إليه بثبات هادئ، ولم أرفع صوتي. بل أخرجت من جيبي مغلفاً بنياً، ووضعت في يده الأخرى جهاز آيباد صغير.
قلت له بصوت مسبوك بالبرود
لم آتِ لأفسد حفلتك يا أبي... بل جئت لأبارك للؤي، ولأمنحك هدية تليق بعائلة المنصوري.
فتح والدي المغلف بيده المرتجفة، فقرأ الورقة الأولى
شهادة الثانوية العامة سالم راشد المنصوري. النسبة 98 7 الترتيب 89 على مستوى الدولة.
شحب وجهه تماماً، ونظر إليّ غير مصدق أنت... أنت لم ترسب؟!
قلت له بابتسامة ساخرة
أردت فقط أن أختبر معدنكم... وقد نجحتُ في الاختبار، وسقطتم أنتم.
وقبل أن ينطق بكلمة، ضغطتُ على زر التشغيل في الأيباد ليعمل التسجيل الصوتي الذي سجلته لهما في المكتب بنبرة واضحة ومسموعة. تجمّدت الدماء في عروق والدي وزوجته موزة التي كانت تقف قريبة وتستمع بذهول
ورعب.
الضربة القاضية مالك البيت الجديد
همس والدي بصوت مخنوق وهو يحاول استيعاب الصدمة
تريد فضيحتنا؟ ماذا تريد يا سالم؟
أخرجت الورقة الثانية من المغلف البني، وكانت أمر إخلاء قضائي رسمي للفيلا.
قلت له بنبرة حازمة هزت كيانه
هذه الفيلا التي تعيشون فيها، والتي خططتم لبيعها لتمويل دراسة لؤي في لندن... أصبحت قانونياً ورسمياً ملكي أنا، من هذه اللحظة. وبصفتي المالك الجديد، أمنحكم مهلة أسبوعين فقط لإخلائها ونقل أمتعتكم.
حاولت موزة التدخل والصراخ، لكن والدي أشار إليها بيده لتصمت، وقد انكسر كبرياؤه تماماً أمام ضيوفه الذين بدأوا يلاحظون التوتر في المنصة الرئيسية.
نظر إليّ والدي بعينين ملأهما الندم والرجاء، وقال بصوت يرتجف
سالم... أنا والدك... لا يمكنك فعل هذا بنا.
التفتتُ عنه وأعطيته ظهري، وقبل أن أغادر القاعة، قلت له كلمتي الأخيرة التي أنهت كل شيء
لقد قلت لي يوماً يا أبي إذا كنت فاشلاً فلا مكان لك في هذا البيت. واليوم أقول لك الفاشل الحقيقي هو من يبيع ابنه من أجل الطمع. والآن... اخرجوا من بيتي.
خرجتُ من القاعة إلى ليل دبي الجميل، وكانت نسمات البحر الباردة تداعب وجهي. لم أشعر بالشماتة، بل شعرت بالحرية والعدالة التي تمنيتها طويلاً لأمي ولي.
ركبت سيارة الأجرة متجهاً إلى الشارقة، حيث تنتظرني خالتي مريم بكوب الشاي الساخن... وهناك، سأبدأ كتابة فصلي
الجديد في الجامعة، ليس كابنٍ مكسور، بل كصاحب حق انتزع حقه بعقله وصبره

 

تم نسخ الرابط