بعد سبع سنوات من طردها

لمحة نيوز

تجمّد أدهم في مكانه.

لأول مرة منذ سنوات… شعر أن الأرض التي يقف عليها ليست ثابتة.

نظر إلى سارة، ثم إلى مديرة دار الأزياء الراقية، ثم إلى مدير المول، ثم إلى الحراس الذين وقفوا حولها باحترام واضح.

همس بصوت مبحوح:

"مدام… سارة؟"

لم تلتفت إليه فورًا.

كانت تنظر إلى الفستان الأحمر خلف الزجاج، كأنها ترى فيه شيئًا لا يراه أحد. لم تكن تنظر إليه كقطعة قماش غالية، ولا كرمز للثراء، بل كأنها تتذكر طريقًا طويلًا جدًا… طريقًا بدأ من ليلة طُردت فيها من بيتها وهي تحمل حقيبة صغيرة، وانتهى هنا… في قلب هذا المكان، أمام الرجل الذي ظنّ أنها انتهت.

مديرة دار الأزياء ابتسمت لها وقالت:

"كما طلبتِ تمامًا يا مدام. الخيوط الذهبية أُحضرت من بيروت، والتطريز اليدوي استغرق ستة أشهر، والحجر الأحمر في المنتصف تم تثبيته كما في التصميم الأصلي الذي رسمتِه بنفسك."

ارتفعت الهمسات.

"رسمته بنفسها؟"

"هي صاحبة التصميم؟"

"مين دي؟"

"مش دي عاملة نظافة؟"

رنا سحبت يدها من ذراع أدهم ببطء، كأنها فجأة خافت أن تكون واقفة بجانب الشخص الخطأ.

أما أدهم… فكان يحاول أن يبتسم.

ابتسامة صغيرة، متوترة، مكسورة.

قال بصوتٍ حاول أن يجعله ساخرًا:

"أكيد في سوء تفاهم. دي… دي سارة. أنا أعرفها كويس."

هنا فقط التفتت سارة إليه.

نظرة واحدة.

هادئة.

لكنها جعلته يصمت قبل أن يكمل.

قالت مديرة دار الأزياء باحترام:

"لا يوجد أي سوء تفاهم، أستاذ أدهم. هذه السيدة هي مدام سارة المنصوري… رئيسة مجلس إدارة مجموعة العنقاء للموضة والاستثمار، والمالكة الجديدة لمول النخبة الملكي."

سقطت الجملة كصاعقة.

المالكة الجديدة.

لم يعد أحد يهمس.

الصمت صار أثقل من الضجيج.

أدهم رمش بعينيه عدة مرات كأن عقله يرفض استقبال المعنى.

"مالكة… المول؟"

مدير المول، الذي كان قبل دقائق يتمنى أن يبتسم له أدهم ويلتقط معه صورة، اقترب من سارة وانحنى قليلًا:

"سيدتي، كل الترتيبات جاهزة. الضيوف ينتظرونك في القاعة الكبرى، والصحافة أيضًا. فقط نحتاج موافقتك للبدء."

سارة وضعت الممسحة بهدوء داخل عربة التنظيف.

هذه الحركة البسيطة كانت أقسى على أدهم من أي إهانة.

كأنها تقول له دون كلام:

نعم، كنت أحمل الممسحة.
ونعم، رأيتك تظن أن هذا يحدد قيمتي.


وهنا كانت غلطتك.

رنا تمتمت:

"أدهم… أنت قلت إنها كانت…"

قاطعها أدهم بعصبية:

"اسكتي."

لكن صوته لم يكن قويًا كما اعتاد.

سارة مدت يدها إلى مديرة دار الأزياء وقالت بهدوء:

"افتحوا الواجهة."

تحرك الموظفون فورًا.

انفتحت الواجهة الزجاجية ببطء.

كان فستان "لهيب العنقاء" يلمع تحت الضوء كأنه نار لا تحرق إلا المتكبرين.

اقتربت سارة منه.

مرّت أصابعها فوق طرف القماش، بحذر وحنان.

ثم قالت:

"سبع سنوات وأنا أنتظر هذه اللحظة."

أدهم ابتلع ريقه.

لم يعرف هل تقصد الفستان… أم تقصده هو.

في تلك اللحظة، اقترب مصور من الصحافة وقال:

"مدام سارة، هل نلتقط الصورة الأولى؟"

نظرت إليه بابتسامة هادئة:

"بعد قليل."

ثم التفتت إلى مدير المول:

"أريد أن يبقى الجميع هنا."

توتر المدير.

"الجميع؟"

"نعم. الضيوف، الصحافة، الموظفون… والجمهور الموجود في البهو."

ثم أضافت وهي تنظر مباشرة إلى أدهم:

"هناك قصة يجب أن تُروى قبل الافتتاح."

شعر أدهم بأن الهواء اختفى من حوله.

اقترب منها بخطوة وقال بصوت منخفض:

"سارة… بلاش تمثيل. مهما حصل بينا، إحنا كنا متجوزين في يوم من الأيام."

ابتسمت قليلًا.

"أول مرة تفتكر؟"

"أنا ما كنتش أعرف—"

قاطعته:

"لم تكن تعرف ماذا؟ أن المرأة التي تهينها قد تكون أقوى منك؟ أم أن الثياب لا تكشف قيمة الإنسان؟"

احمر وجهه.

"أنا لم أقصد—"

قالت بهدوء قاتل:

"بل قصدت. أنت دائمًا تقصد. الفرق فقط أنني كنت أسكت."

رنا بدأت تتراجع خطوة.

كأنها شعرت أن هذه المعركة ليست لها.

لكن سارة نظرت إليها وقالت:

"ابقي. أنتِ أيضًا جزء من الدرس."

ارتبكت رنا:

"أنا؟ أنا ما ليش علاقة."

قالت سارة:

"عندما يضحك الإنسان على كرامة غيره، يصبح له علاقة."

سكتت رنا.

كان الناس يراقبون المشهد بأنفاس محبوسة.

أدهم حاول استعادة سيطرته. رفع صوته قليلًا:

"طيب يا جماعة، واضح إن السيدة بتحب الدراما. أنا سعيد جدًا بنجاحها، لكن خلينا ما ننساش الحقيقة. أنا لما تركتها، كانت لا تملك شيئًا. لا تعليم كافٍ، لا علاقات، لا مستوى اجتماعي. وأنا كنت أبحث عن مستقبل."

سارة نظرت إليه طويلًا.

ثم قالت:

"وأنا كنت أبحث عن احترام."

كلمة واحدة… لكنها هزته.

تابعت:

"حين طردتني من بيتك، قلت لي إنني عادية.

قلت إنني لا أصلح للوقوف بجانب رجل سيصبح مهمًا. أتذكر؟"

لم يجب.

"قلت إنني لا أملك الذوق الكافي، ولا الطموح الكافي، ولا الشكل الكافي. قلت إنني عبء على صورتك أمام الناس."

بدأت بعض الوجوه حوله تتغير. المستثمرون الذين كان يحاول إبهارهم صاروا ينظرون إليه كما ينظرون إلى صفقة خاسرة.

سارة أكملت:

"في تلك الليلة، خرجت من بيتك ومعي حقيبة صغيرة، وخاتم زواج تركته على الطاولة، ومبلغ قليل يكفي أسبوعًا. لم يكن عندي بيت. لم يكن عندي سند. لم أكن أعرف ماذا سأفعل."

ثم أشارت إلى الممسحة.

"أول عمل وجدته كان التنظيف. نعم. مسحت أرضيات. نظفت مكاتب. حملت صناديق. اشتغلت في مخزن أقمشة قديم. كنت أعود آخر الليل ويدي تؤلمني… لكنني كنت أنام مرتاحة لأنني لم أمد يدي لأحد."

ارتجفت ملامح أدهم، لكنه ظل صامتًا.

قالت:

"في المخزن، كنت أرى الأقمشة المرمية. قطع صغيرة لا يريدها أحد. كنت آخذها بإذن صاحبة المكان، وأتعلم الخياطة عليها. كنت أخيط في غرفة ضيقة فوق سطح بناية قديمة، على ماكينة مستعملة اشتريتها بالتقسيط."

مديرة دار الأزياء خفضت رأسها بتأثر.

سارة تابعت:

"أول فستان بعته كان لعروس لا تملك ثمن فستان جاهز. صنعت لها فستانًا بسيطًا… لكنها يوم ارتدته بكت. وقالت لي: أنتِ لم تصنعي لي فستانًا، أنتِ جعلتِني أشعر أنني مرئية."

صمتت لحظة.

"من يومها عرفت أنني لا أبيع قماشًا. أنا أعيد للنساء شعورهن بقيمتهن."

بدأت بعض النساء في المكان ينظرن إليها بإعجاب حقيقي.

ثم قالت:

"كبر العمل. من غرفة صغيرة… إلى مشغل. من مشغل… إلى دار أزياء. من دار أزياء… إلى مجموعة استثمارية. واليوم… هذا المول الذي دخلته أنت لتُثبت نفسك أمام المستثمرين… أصبح ملكي."

لم يجرؤ أحد على التنفس.

أدهم همس:

"يعني… كل هذا كان مرتبًا؟ أنتِ كنتِ تعرفين أنني سأكون هنا؟"

ابتسمت سارة:

"لا. لم أكن أعرف."

ثم نظرت إلى زي التنظيف الذي ترتديه.

"لكنني طلبت من الإدارة اليوم أن أبدأ جولتي بهذا الزي."

تعجب الجميع.

قالت رنا دون وعي:

"ليش؟"

نظرت إليها سارة.

"لأنني أردت أن أرى الحقيقة قبل الافتتاح. أردت أن أعرف كيف يتعامل الناس مع من يظنون أنهم بلا قوة."

ثم التفتت إلى أدهم.

"وكانت النتيجة أسرع مما توقعت."

انخفض رأس رنا

خجلًا.

أما أدهم… فقد شعر أن كل كلمة قالها قبل دقائق عادت إليه كسكين بارد.

حاول أن يضحك.

"سارة، بصراحة… أنتِ تغيرتِ. وأنا أعترف. يمكن كنت قاسي زمان. بس كل الناس تغلط."

اقترب خطوة أخرى.

"خلينا نتكلم بعيد عن الناس."

هنا تغيّر وجه سارة لأول مرة.

لم تغضب.

لم تصرخ.

لكن هدوءها صار أكثر حدة.

"بعيد عن الناس؟"

ثم أشارت إلى المكان كله.

"أنت أهنتني أمام الناس. رميت المال أمام الناس. قلت إنني لا أستحق لمس فستان أمام الناس. لماذا تريد الاعتذار بعيدًا عن الناس؟"

لم يجد جوابًا.

بدأت كاميرات الصحافة تسجل.

حاول مدير العلاقات العامة التدخل، لكن سارة رفعت يدها فأوقفته.

قالت لأدهم:

"لا تقلق. لن أفعل بك ما فعلته بي. لن أهينك. لن أرمي المال في وجهك. لن أقول لك إنك لا تستحق شيئًا."

ثم توقفت قليلًا.

"أنا فقط سأدع الحقيقة تقف بجانبي."

في هذه اللحظة، دخل رجل مسن يرتدي بدلة أنيقة، وبيده ملف أسود.

اقترب من سارة وانحنى باحترام:

"سيدتي، الأوراق التي طلبتِها."

أخذت الملف.

أدهم عرف الرجل فورًا.

كان المستشار نادر حمدان، أحد أشهر المحامين التجاريين في المنطقة.

ارتجفت عين أدهم.

"أستاذ نادر؟ أنت تعمل معها؟"

رد المحامي ببرود:

"منذ خمس سنوات، أستاذ أدهم."

فتحت سارة الملف.

"الغريب يا أدهم أنك جئت الليلة تبحث عن مستثمرين، صحيح؟"

لم يجب.

"جئت لتقنع شركة الخليج القابضة بتمويل مشروعك الجديد."

تبدلت ملامحه.

"كيف تعرفين؟"

قالت:

"لأن شركة الخليج القابضة… إحدى الشركات التابعة لمجموعتي."

شعر أدهم وكأن ضربة ثانية أصابته.

رنا وضعت يدها على فمها.

همسات المستثمرين اشتعلت.

أكملت سارة:

"ودرست ملف شركتك بنفسي. الأرقام جميلة من الخارج، لكن الداخل… متعب جدًا."

حاول أدهم المقاطعة:

"هذا كلام غير صحيح."

رفع المحامي ورقة وقال:

"لدينا تقارير مالية موثقة، وتأخر في سداد مستحقات موردين، ونزاع مفتوح مع ثلاثة شركاء سابقين."

نظر أدهم حوله بخوف.

"هذا تشهير!"

قالت سارة بهدوء:

"لا. هذا تقييم استثماري. وأنت من جاء تطلب المال."

ثم أغلقت الملف.

"لكن اطمئن. لن نتكلم في تفاصيل أكثر أمام الناس. أنا لا أبني انتصاري على فضائح الآخرين."

صمتت.

ثم قالت الجملة التي جعلت أدهم

ينهار من الداخل:

"مجموعة العنقاء لن تستثمر في شركتك."

كأن الباب الأخير أُغلق في وجهه.

حاول أن يتماسك:

"بسبب خلاف شخصي؟"

قالت سارة:

"لا. بسبب نقص النزاهة. والخلاف الشخصي فقط ساعدني على رؤية ما حاولت الأرقام إخفاءه."

رنا ابتعدت عنه خطوة أخرى.

أدهم التفت إليها بعصبية:

"إنتِ كمان؟"

قالت بخوف:

"أدهم… أنت قلت لي إنك داخل الليلة كشريك قوي… مش محتاجهم."

ابتسمت سارة بحزن خفيف.

 

تم نسخ الرابط