العروس الهاربه

لمحة نيوز

 هي وقعت في قلب صراع قديم بين ديابة الصعيد.
يعني أنا دلوقتي.. وسيلة عشان تنتقم منه؟ سألت ليلى وهي بتبص للسكينة اللي لسه قريبة منها.
عمر ضحك ضحكة قصيرة ومرة
لو كنت عايز أنتقم منه بيكي، كنت سلمتك له مكسورة عشان يذلها بيكي.. لكن أنا هعمل اللي هو ميتوقعهوش. أنا هخرجك من هنا يا ليلى.. بره الصعيد كله.
الحصار
فجأة، قطع كلامهم صوت طلق ناري في الهوا، وبعده صوت مكبر صوت بينادي في الأرض الواسعة
يا بدري! إحنا عارفين إنها جوه.. الأرض محاصرة، والكلاب اللي معاك مش هيقدروا يصدوا رجالة الشناوي. سلم الأمانة، وهنسيبك حي تعيش في خرابتك!
ليلى قامت وقفت، الرعب رجع يسيطر عليها
هيموتوك يا عمر.. سلمني، أنا خلاص ميتة ميتة.
عمر مسك كتافها بقوة، وعينيه كانت بتلمع بتحدي مجنون
البدري مبيسلمش ضيفه لو روحه هي الثمن. البسي العباية دي، وغطي وشك.. فيه سرداب تحت المخزن ده بيطل على المصرف القديم. هتجري هناك وماتقفيش، هتلاقي مركب صغير مستنيكي، صاحبه راجل أمين، هيوديكي لحد محطة القطر.
وإنت؟ سألته وهي بتشد على إيده.
ابتسم عمر وهو بيسحب بندقية آلية من تحت السرير
أنا هستقبل الضيوف.. وعندي حساب قديم لازم يتصفي مع محمود الشناوي، والنهارده

يوم الحساب.
المواجهة الكبرى
بدأ الرصاص يخبط في حيطان المخزن الخشب. عمر زق ليلى ناحية السرداب
انزلي يا ليلى! وماتبصيش وراكي.. عيشي حياتك اللي محمود كان عايز يسرقها.
نزلت ليلى وهي بتعيط، وأول ما قفلت باب السرداب الخشبي فوقها، سمعت صوت انفجار باب المخزن وصوت زعيق عمر وهو بيفتح النار
تعالى يا شناوي.. استنيت اللحظة دي عشر سنين!
تحت الأرض، كانت ليلى بتجري في الضلمة، وصوت الرصاص فوقها بيزلزل الأرض. كانت حاسة إن كل خطوة بتخطيها بتبعدها عن الموت.. وبتقربها من حرية دفع تمنها راجل ميعرفش عنها غير اسمها.
وصلت لآخر السرداب، شمت ريحة المية والهوا. المركب كان مستني، والراجل اللي عليه أشر لها بسرعة. ركبت وبدأت المركب تتحرك وسط البوص، وهي بتبص لبعيد، شافت دخان أسود طالع من ناحية المخزن.. حريقة كبيرة بدأت تلتهم كل حاجة.
هل نجا عمر البدري من وسط النار؟ أم أن ليلى ستبدأ حياتها الجديدة وهي تحمل ذنب الرجل الذي ضحى بكل شيء ليمنحها فرصة للهرب؟
الجزء الأخير الرماد والحرية
تعلقت عينا ليلى بالدخان الأسود المتصاعد في الأفق وهي على متن المركب الصغير. صوت الرصاص خفت، وحلّ محله صمت مهيب لا يقطعه إلا صوت ارتطام المجداف بالمياه. كانت
تشعر بخواء شديد؛ هربت بجسدها، لكن روحها بقيت هناك، في المخزن الذي صار ساحة للحساب الأخير.
محطة الوصول
بعد ساعات، وصلت ليلى إلى رصيف قطار الصعيد المتجه للقاهرة. لم تكن العروس التي هربت بالفستان الأبيض الممزق؛ كانت امرأة أخرى، ترتدي عباءة البدري السوداء وتلحف وجهها بصرامة لم تعرفها من قبل.
في محطة القطار، وبينما كانت الزحام يبتلعها، وضعت يدها في جيب العباءة، لتجد ورقة مطوية بعناية. فتحتها بيد ترتعش، كانت كلمات عمر البدري مقتضبة كطباعه
يا ليلى.. لا تنظري خلفك. الصعيد ينسى من يغادره، والديون التي سددتها اليوم كانت ديوني أنا، لا ذنب لكِ فيها. عيشي كما شئتِ، لا كما شاؤوا.
ومع الورقة، كانت هناك رزمة من المال تكفيها لبداية جديدة، وسلسلة فضية قديمة تخص والدته. في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن عمر لم يكن يحميها هي فقط، بل كان يحمي آخر بقايا الإنسانية في قلبه.
نهاية الطاغية
في هذه الأثناء، وسط أنقاض المخزن المحترق، كان المشهد يختصر تاريخاً من الصراع. وقف محمود الشناوي مصدوماً وهو ينظر إلى جثث رجاله الملقاة في كل مكان. كان يبحث عن جثتها، لكنه لم يجد إلا عمر البدري.
عمر كان مسنداً ظهره إلى جذع نخلة محترقة، الدماء تغطي
قميصه، لكن عينه كانت تلمع بانتصار لم يذقه من قبل. محمود صرخ فيه بغل
فين هي؟ وديتها فين يا بدري؟
عمر طلع نفس طويل بوجع، وابتسم ببرود
بعيد عنك يا شناوي.. بعيد لدرجة إنك مش هتشوف خيالها تاني. النهاردة أرض البدري شربت دم اللي ظلموا، والمخزن اللي حرقته زمان.. حرقناه سوا النهاردة.
قبل أن يرفع محمود سلاحه لينهي حياة عمر، حاصرت قوات الشرطة المكان؛ فصوت الانفجارات والرصاص جلب الحكومة التي كان الشناوي يظن أنه فوقها. في الصعيد، السقوط عندما يبدأ، يكون مدوياً. قُبض على الشناوي متلبساً بجرائم قتل واعتداء، وانتهت أسطورة الرجل الذي يملك كل شيء خلف قضبان السجن.
حياة جديدة
بعد مرور عام..
في حي شعبي هادئ بالقاهرة، كانت هناك ورشة صغيرة للخياطة تحمل لافتة بسيطة مكتوب عليها ليلى للنسيج.
دخلت امرأة بملامح هادئة، وضعت السلسلة الفضية حول عنقها، وجلست أمام ماكينتها. لم تعد تخاف من الليل، ولم تعد ترتجف من ذكرى الصعيد.
أما عمر البدري.. فلم يُعرف مصيره يقيناً. البعض يقول إنه قضى نحبه في الحريق، والبعض في القرية يحكي عن رجل بملامح خشنة وندبة قديمة، يُرى أحياناً يسير وحيداً في الجبل، يراقب المراكب التي تمر في النيل وهي متجهة شمالاً.
. وكأنه يطمئن أن ليلى وصلت بسلام.

تم نسخ الرابط