العروس الهاربه

لمحة نيوز

انقبض قلب ليلى وهي بتشوف عمر البدري بيقوم ويتحرك في ضلمة المخزن زي الشبح. السكينة لسه في إيدها، وصوابعها مكلبشة فيها لدرجة إن عقل عضمها ابيضّ، بس جسمها كان بيخونها. المية اللي شربتها بدل ما تفوقها، خلت جسمها يرتخي فجأة، والحمى بدأت تنهش في وعيها وتخلي الصور تتداخل قدام عينيها.
عمر بص لها بطرف عينه، شاف السكينة وهي بتتهز في إيدها الضعيفة، وشاف وشها اللي بقى لونه زي لون القماش الأبيض اللي لابسة بقاياه. قرب خطوتين بهدوء وحذر
هاتي السكينة دي يا ليلى.. إنتي مش محتاجاها دلوقتي، وإيدك لو فلتت هتعوري نفسك.
ليلى حاولت تصرخ فيه، بس صوتها طلع مجرد همس ضايع
ابعد.. ما تقربش..
وقف مكانه، وعينه جت على الدم اللي سال من رقبتها مكان السكينة. اتنهد بضيق، وطلع منديل قماش قديم من جيبه وحدفهولها
اضغطي على الجرح ده.. الصعيد مبيسامحش الضعيف، وإنتي شكلك شايلة هم جبال فوق كتافك.
زوار الليل
فجأة، سكت عمر تماماً، ومال براسه ناحية الباب المكسور. ليلى مكنتش سامعة حاجة غير ضربات قلبها، بس عمر ابن الجبل والوحدة كان سامع صوت حوافر خيل بتقرب، وصوت ناس بتنادي بأسماء بعضها بلهجة غاضبة.
استخبي ورا الشكاير دي.. وماتطلعيش

نفس مهما حصل.
قالها عمر بصوت واطي وقاطع وهو بيسحب السكينة من إيدها المرتخية بسرعة البرق، المرة دي ليلى مقاومتش، كانت الرؤية عندها بدأت تسودّ.
دخل المخزن تلات رجالة بجلابيبهم وعماماتهم، شايلين كشافات قوية ونادقهم على كتافهم. في المقدمة كان محمود الشناوي، وشّه كان عبارة عن كتلة من الغضب والغل، وعينيه بتدور في المكان زي الصقر.
نورت يا محمود بيه..
قالها عمر وهو ساند ضهره على عمود خشب في نص المخزن، وببرود أعصاب غريب كان بينضف ضوافره بطرف السكينة اللي أخدها من ليلى.
محمود قرب منه بغطرسة وصوت جهوري
عمر البدري.. مش غريب ألاقيك صاحي في وقت زي ده. فيه أمانة هربت مني، فستان أبيض وسط السواد ده، عدت من هنا؟
عمر رفع عينه وبص لمحمود ببرود
إنت عارف إني ماليش في الحريم ولا في مشاكلكم يا شناوي. أنا هنا مع حالي، والحدود بتاعتي مبيعديهاش غير اللي قاصد يموت.
محمود دقق في الأرض، لمح نقط دم صغيرة لسه منشفتش. قلبه دق، وقرب من عمر وهو بيشاور بالبندقية
والدم ده إيه يا بدري؟ الأرض هنا شربت دم جديد ليه؟
مواجهة على حافة الموت
عمر متهزش، قام وقف وطوله الفارع غطى على نور الكشافات
ديب حاول يدخل المخزن، وأخد نصيبه بالسكينة
دي. عايز تفتش؟ فتش.. بس لو ملقتش حاجتك، يبقى دخلت داري من غير إذن، وإنت عارف قانون البدري في الحالة دي.
محمود تردد. هو عارف إن عمر البدري راجل مقطوع من شجرة وأنه لو اشتبك معاه، الموضوع مش هيخلص بسهولة، والفضايح في الصعيد مبتتغطاش. بص لرجاله وأمرهم بالانسحاب
هنمشي دلوقتي.. بس لو عرفت إنك مخبيها، مش الجبل اللي هيحميك مني يا عمر.
خرجوا، وصوت الخيل بدأ يبعد. ليلى كانت ورا الشكاير، سامعة كل كلمة، دموعها كانت بتنزل بصمت وهي حاسة إن الموت كان على بعد سنتيمترات منها.
القرار الصعب
عمر رجع لها بعد ما اتأكد إنهم بعدوا. لقاها فقدت الوعي تماماً من أثر الحمى والخوف. شالها بين إيديه الضخمة، كانت خفيفة زي الريشة، وفستانها الممزق بيحكي قصة ليلة سودة.
حطها على سريره الخشبي البسيط في أوضته الصغيرة الملحقة بالمخزن، وغطاها بالبطانية التقيلة. بص لوشها المليان تراب ودموع، وهمس لنفسه
وقعتي في طريق مين يا ليلى.. الشناوي والبدري في كفة واحدة، والاتنين مرارهم طافح.
طلع برا المخزن، وبص للسما اللي بدأت خيوط الفجر تظهر فيها، وعرف إن اللعبة بدأت، وإن ليلى مش مجرد عروسة هربانة، دي بقت تار هيلف حوالين رقبتهم كلهم.
ماذا
سيحدث عندما تستيقظ ليلى وتكتشف أن منقذها هو العدو اللدود لزوجها؟ وهل سيكفي قانون البدري لحمايتها؟
فتحت ليلى عينيها ببطء، حست ببرودة مية على راسها. حاولت تتفزع، بس إيد عمر التقيلة كانت ضاغطة بحنان على كتفها وهي بتحط كمادة مية ساقعة على جبينها. المكان كان ريحته خشب قديم وعرق وأرض، ريحة مريحة رغم قسوتها.
اهدي.. غاروا من هنا، والنهار طلع.
قالها عمر بصوت رخيم وهو بيبص من الشباك الصغير اللي بيدخل خيوط نور باهتة.
ليلى حاولت تقعد، لفت البطانية حول جسمها المرتعش وقالت بصوت مكسور
ليه ساعدتني؟ الشناوي لو عرف إنك خبيتني، مش هيسيب فيك حتة سليمة.
عمر ساب الكمادة ووقف، ملامحه كانت زي الصخر اللي منحوت في الجبل
الشناوي فاكر إنه اشترى الأرض والناس بفلوسه.. بس عمر البدري لا بيتباع ولا بيتشرا. وبعدين، أنا شفت في عينيكي حاجة شفتها في المراية سنين طويلة.. الظلم.
كشف المستور
قعد عمر على كرسي خشب قديم وكمل كلامه
محمود الشناوي مش بس جوزك.. محمود يبقى الراجل اللي حرق بيتي من عشر سنين واتسبب في موت أهلي عشان ياخد الأرض دي. الندوب اللي في وشي دي يا ليلى، نار الشناوي هي اللي رسمتها.
ليلى شهقت، الحقيقة كانت أصعب مما
تتخيل. هي مكنتش بتهرب من مجرد زوج قاسي،

تم نسخ الرابط