اتجوزت الراجل اللي كبرت معاه ...حكايات صافي هاني
بفقرنا بس نعيش بكرامتنا؟
أخدت نفس طويل وبصيت في عين ياسين، قولتله أنا عمري ما فكرت في قرش معاك، إحنا اللي بنينا نفسنا بنفسنا، والفلوس اللي تخلي جدك يشك في أمانتي من قبل ما يعرفني مش عاوزاها.. بس يا ياسين، دي مصلحتك، وده حقك وحق تعب أبوك اللي اتحرم منه.
مسكت القلم ومضيت على التنازل من غير ما أتردد، وقولتله أنا موافقة، هسافر معاك الصعيد، وهعيش معاك في أي حتة، المهم نفضل سوا.
ياسين عينيه لمعت بفخر، وتاني يوم الصباحية بدل ما نطلع على المصيف، لقينا نفسنا في عربية قديمة واخدانا لقرية بعيدة في أعماق الصعيد. وصلنا لبيت كبير بس مهجور، ريحة التراب في كل حتة، والحيطان عالية وشكلها يخوف.
المحامي كان مستنينا هناك، سلمنا مفاتيح البيت وقال لنا جملة غريبة قبل ما يمشي يا جماعة، خلوا بالكم.. البيت ده مكنش مهجور طول السنين دي زي ما الناس فاكرة، وفي أوضة في الدور التاني، الجد وصى إن حدش يفتحها مهما حصل قبل ما السنة تخلص.
دخلنا البيت، والهدوء كان مرعب. مفيش كهرباء، مفيش شبكة موبايل، بس ضي الشموع. بالليل وأنا نايمة ، سمعت صوت خبط خفيف جاي من الدور التاني.. نفس الخبطة اللي كانت على باب شقتنا!
قمت من غير ما يحس، وطلعت السلم الخشب اللي بيزيق تحت رجلي، ووقفت قدام الأوضة الممنوعة.. ولقيت الباب
فتحت الباب براحة، واتصدمت من اللي شفته جوه.. الأوضة مكنتش فاضية، دي كانت مليانة صور ليا أنا وياسين من يوم ما كنا في الملجأ لحد يوم فرحنا، وفي نص الأوضة كان فيه جهاز تسجيل شغال وبيردد بصوت جد ياسين لو وصلتوا لهنا، يبقى الخطة بدأت.
لو عايزين تعرفوا إيه هي الخطة السرية ومين اللي كان بيراقبهم كل السنين دي
جسمي كله قشعر، وصوت التسجيل كان بيتردد في الأوضة الفاضية وسط الصور اللي محاوطاني من كل ناحية. ياسين ظهر فجأة ورايا، وصوته كان هادي لدرجة تخوف فتحتِ الباب ليه يا سلمى؟
لفيت له وأنا مذهولة ياسين! الصور دي بتعمل هنا إيه؟ دي صورنا وإحنا عيال، وصور وإحنا في الجامعة.. جدك كان بيراقبنا؟ وليه؟
ياسين قرب من جهاز التسجيل وقفل الصوت، وبصلي بجمود وقال جدي مكنش مجرد راجل غني وبيدور على حفيده.. جدي هو اللي كان بيمول الملجأ اللي كبرنا فيه. هو اللي اختارك بالذات عشان تكوني جنبي من وإحنا عيال، هو اللي كان بيرسم طريقنا خطوة بخطوة.
وقعت من طولى على الكرسي اللي كان في نص الأوضة، وقولتله بصدمة يعني إيه؟ يعني حبنا، وحياتنا، وتعبنا.. كل ده كان تمثيلية؟ كان خطة منه؟ وإنت كنت عارف؟
ياسين نزل لمستوايا ومسك إيدي، وعينيه كان فيها وجع حقيقي عرفت
فجأة، سمعنا صوت عربية بتقف قدام البيت، وصوت خطوات تقيلة داخلة الصالة تحت. ياسين بص في ساعته وقال الساعة جت 12.. كدة السنة خلصت في ثواني يا سلمى.
نزلنا تحت وإحنا مش فاهمين حاجة، لقيت المحامي واقف ومعاه ست كبيرة في السن، ملامحها فيها شبه كبير مني! الست أول ما شافتني دموعها نزلت وقالت سامحيني يا بنتي.. كان لازم أعمل كدة عشان أحميكي من عيلة أبوكي.
اتضح إن الحكاية أكبر من ورث ياسين.. الحكاية إن جدي وياسين مكنوش مجرد أغراب، وإن السر اللي في الظرف مكنش بس فلوس، ده كان عقد بيع وشراء لحياتنا إحنا الاتنين!
الست قربت مني وهي بتترعش، والمحامي طلع ورق جديد خالص وقال بصوت جهوري الوصية مكنتش لياسين لوحده.. الوصية كانت لكم إنتوا الاتنين، لأنكم ببساطة مش مجرد اتنين اتقابلوا في ملجأ، إنتوا ولاد عم!
الدنيا اسودت في عيني وياسين مسكني قبل ما أقع. الست دي طلعت دادة قديمة كانت شغالة عند عيلة ياسين، وحكت لنا الحقيقة اللي توجع القلب إن عيلة ياسين وعيلة أبويا كان
ياسين بص للمحامي وقال بحزم يعني كل التعب ده، وكل الوجع اللي عيشناه في الملجأ وإحنا بنفتكر إننا ملناش حد، كان عشان فلوس؟
المحامي رد ببرود عشان حياتكم.. لو كنتوا فضلتوا في بيوتكم، مكنتوش هتعيشوا ليومنا ده.
ياسين مسك الورق اللي فيه الملايين، وبصلي وقال سلمى، إحنا عشنا سنين بنقول إننا ملناش غير بعض، والنهاردة الحقيقة أثبتت إننا فعلاً ملناش غير بعض.. بس مش بالورق، بقلوبنا اللي استحملت.
ياسين فاجئ الكل وخد الورق وولع فيه قدام عينيهم بالولاعة، وقال للمحامي بلغ العيلة إن الثروة دي كلها تتوزع على الملاجئ اللي كبرنا فيها.. أنا وسلمى بنينا حياة من مفيش، وهنكملها من مفيش، بس بكرامتنا ومن غير ما نكون جزء من صراعاتكم.
خرجنا من البيت الكبير المهجور وإحنا ماسكين إيد بعض، ومن غير ولا مليم في جبنا، بس لأول مرة حسينا إننا أحرار بجد. رجعنا شقتنا الصغيرة، وياسين بص لي وابتسم وقال تفتكري العفش المستعمل بتاعنا لسه موجود؟
ضحكت والدموع في عيني وقولتله ده أحلى
تمت.