قبل دفن جفيدتي

لمحة نيوز

 

دفعتُ الباب المخفي، ودخلتُ الممر الضيق، ثم نزلتُ درجات السلم الخلفي بحذر، حتى وصلتُ إلى غرفة الغسيل في الطابق الأرضي. كانت رائحة الرطوبة والمنظفات تملأ المكان، والضوء خافت بالكاد يكشف التفاصيل.

هناك فقط، أدركتُ أن هاتفي لم يكن معي.

تركتُه في الغرفة… بجانب الكفن.

تجمّد قلبي لثانية، لكن عيني وقعتا على الهاتف الأرضي القديم المعلّق على الحائط، ذلك الذي كانت "فيروز" تسخر منه دائمًا وتصفه بأنه قطعة خردة.

اقتربتُ بسرعة، وأجلستُ زهراء على بطانيات قديمة، ثم غطّيتها، ولمستُ جبينها المشتعل، قبل أن أرفع سماعة الهاتف وأطلب رقم الطوارئ.

كان صوتي ثابتًا على عكس ما في داخلي. أعطيتُ العنوان بدقة، وقلتُ بوضوح:
"هناك طفلة أُعلن عن وفاتها… لكنها حيّة. تم تقييدها داخل كفن. ووالدها موجود في المنزل."

لم أكن قد أنهيتُ كلامي بعد… حين سُمِع فوقنا صوتٌ.

صرير لوحٍ خشبي… بطيء… ثقيل… قريب.

ليس في مكانٍ بعيد.
بل فوقنا مباشرة.

غرفة الوداع.

تجمّدتُ مكاني، ونظرتُ إلى السقف،

وفي تلك اللحظة، فهمتُ كل شيء.

لقد اكتشفوا أن الكفن فارغ.

بدأتُ أسمع خطواتٍ سريعة، ثقيلة، مذعورة، تتحرك فوق رؤوسنا. ثم صوت ارتطام عنيف… كأن شيئًا أُزيح بقوة.

"فيروز!" دوّى صوت "رعد"، لكنه لم يعد هادئًا كما كان قبل دقائق، بل كان مشحونًا بالغضب والذعر.
"أغلقي الباب! حالًا!"

سقطتُ أرضًا فورًا، وسحبتُ زهراء إلى صدري، وضغطتُ وجهها إلى كتفي حتى لا تُصدر أي صوت. نظرتُ نحو النافذة الصغيرة في أعلى الجدار… لكنها كانت مغلقة بإحكام، ومغطاة من الخارج بقضبان حديدية. لا مخرج.

كنا محاصرتين.

"جدّتي… هو قادم…" همست زهراء، وأصابعها الصغيرة تغرس في كتفي وهي ترتجف.

"لن يلمسكِ… أقسم لكِ"، قلتُ بصوتٍ منخفض، لكن داخلي لم يكن خوفًا… بل شيئًا أشبه بالغضب الذي يولد من العدم.

نظرتُ حولي بسرعة، حتى وقعت عيناي على أنبوب حديدي قديم بجانب الحوض. التقطته بيديّ المرتجفتين، كان ثقيلًا، لكنني شددتُ قبضتي عليه بقوة لم أعرفها من قبل.

في تلك اللحظة… انفتح الباب أعلى السلم الخلفي بعنف.

واندفع

ضوء مصباح يدوي يخترق الظلام.

"يمّه؟" جاء صوته هذه المرة بنبرة مختلفة… محاولة زائفة للهدوء.
"يمّه، أنتِ لا تفهمين… البنية مريضة… الطبيب قال إنها حالة خطيرة… كانت تهذي."

كذّاب.

كل شيء فيه كان كذبًا.

العلامات على يديها… القيد… المفتاح المخفي… لم يكن هذا خوفًا من مرض… بل استعدادًا لدفنها حيّة.

"تعالي خلّينا نحچي بهدوء"، قال وهو يقترب.
خطوة… خطوة… خطوة.

سحبتُ زهراء خلف الغسالة القديمة، في أعمق ظل في الغرفة، ورفعتُ الأنبوب الحديدي بكلتا يديّ.

أنا امرأة في الثانية والستين… لكن في تلك اللحظة، لم أكن ضعيفة.

كنتُ أمًا تدافع.

نزل "رعد" إلى أرض الغرفة، وبدأ يحرّك ضوء المصباح في المكان، وفي يده الأخرى… كانت هناك حقنة.

ممتلئة بسائل شفاف.

المهدئ الذي كان سيُبقيها ساكنة… بينما تُدفن.

"وين خبّيتيها؟" همس بصوتٍ خالٍ من أي تمثيل.

تقدم خطوة أخرى.

وعندها…

تحركتُ.

لم أفكر.
لم أتردد.

ضربتُه بكل قوتي.

اصطدم الأنبوب الحديدي بركبته، ودوّى صوتٌ

مرعب داخل الغرفة الضيقة. صرخ وسقط أرضًا، وأسقط المصباح والحقنة التي تحطمت على الأرض.

"اركضي يا زهراء!" صرختُ.

وفي تلك اللحظة… اخترق صوت صفارات الشرطة الليل.

كانوا قد وصلوا.

حاول "رعد" أن يمسك بساقي، لكنني ضربته مرة أخرى، فسقط أرضًا يتألم.

"لا تلمسها مرة أخرى…" قلتُ وأنا ألهث.

في الأعلى، سُمِع صوت تحطّم الباب، ثم صراخ، وأوامر حادة:

"الشرطة! لا أحد يتحرك!"

لحظات… واقتحم شرطيان الغرفة، بأسلحتهما وأضوائهما، ليروني واقفة، ممسكة بالأنبوب، وزهراء متشبثة بي… ترتجف… لكنها حيّة.

تركتُ الأنبوب يسقط من يدي، وشعرتُ لأول مرة أن جسدي لم يعد يحتمل.

بعد ساعات، ومع أول خيوط الفجر، توقّف المطر.

جلستُ داخل سيارة الإسعاف، ملفوفة ببطانية، بينما كانت زهراء بجانبي، تشرب شايًا دافئًا، وقد عاد تنفّسها منتظمًا.

وقف أحد المحققين أمامي، وقال بهدوء:
"وجدنا وثيقة تأمين كبيرة باسم الطفلة… مع شرط مضاعف في حال الوفاة المفاجئة."

ثم أضاف:
"وتم القبض على الطبيب الذي وقّع شهادة

الوفاة."

أغمضتُ عيني للحظة… ثم ضممتُ حفيدتي إليّ.

رفعت رأسها نحوي، وقالت بصوتٍ ضعيف:

"جدّتي… نرجع للبيت هسه؟"

نظرتُ إليها طويلًا… ثم قلتُ بهدوء:

"إي يا روحي… نرجع."

ثم أضفتُ، وأنا أقبّل جبينها:

"بس مو لنفس البيت… ولا لنفس الحياة."

تمت

تم نسخ الرابط