جوزي العجوز
شايفة، فاهمة، وخايفة… بس مش ضعيفة زي قبل كده.
بصيت له وقلت بصوت حاولت أثبته:
"هتشرحلي كل حاجة الأول… مش هاخد خطوة واحدة وأنا مش فاهمة أنا داخلة على إيه."
سكت لحظة… كأنه بيقيم قراري… وبعدين أشارلي أقعد.
قعد قدامي… لأول مرة مش واقف من بعيد ولا باصصلي بنظرات غامضة… لأ، كان قريب… قريب بشكل غريب يخلي الواحد يتوتر.
قال بهدوء:
"المرض اللي عند والدك… بيخلي خلاياه تهاجم نفسها… جهازه المناعي بيتحول لعدو… ومع الوقت بيدمر كل حاجة… مفيش علاج مباشر ليه لحد دلوقتي."
أنا كنت سامعة… بس عقلي بيجري أسرع من كلامه.
كمل:
"أنا كنت بشتغل على فكرة… تعديل استجابة الجسم… مش إيقاف المرض… لكن إعادة برمجته… يخلي الجسم يبطل يهاجم نفسه."
شهقت:
"يعني إيه… تعديل؟!"
قال وهو مركز في عيني:
"يعني نغير الطريقة اللي جسمك بيفكر بيها… يخلي الخلايا تتصرف بشكل مختلف."
حسيت بقشعريرة:
"وأنا؟!"
قال ببساطة مرعبة:
"إنتي أول حالة نجحت تستحمل المرحلة الأولى."
الكلمة خبطت في صدري:
"نجحت؟! أنا كنت نايمة ومش فاهمة حاجة!"
رد بهدوء:
"وده اللي خلاني أكمل… لأن جسمك متقبل…
سكت شوية… وبعدين قال:
"لكن المرحلة اللي جاية… مختلفة."
قلبي دق أسرع:
"إزاي؟"
قال:
"هتكوني واعية… وهتحسي بكل حاجة."
بصيت للحقنة في إيدي… وبلعت ريقي بصعوبة.
"إيه اللي ممكن يحصل؟"
اتنهد وقال:
"ألم… إرهاق شديد… يمكن هلوسة مؤقتة… ويمكن…"
سكت.
صرخت فيه:
"يمكن إيه؟!"
بصلي بثبات:
"يمكن جسمك يرفض… وساعتها هنوقف فورًا… بس المخاطرة موجودة."
سكتنا… والصمت كان تقيل جدًا.
كنت عارفة إن مفيش ضمانات… ولا أمان… بس كان في حاجة جوايا بتشدني… يمكن أمل… يمكن خوف على أبويا… يمكن الاثنين مع بعض.
غمضت عيني لحظة… وبعدين قلت:
"ابدأ."
قام بهدوء… جهز كل حاجة… وكل حركة منه كانت محسوبة… كأنه بيعمل حاجة بقاله سنين.
قرب… وبصلي كأنه بيديني فرصة أخيرة أتراجع.
لكن أنا هزيت راسي:
"كمل."
الإبرة دخلت في إيدي…
وأول لحظة… مفيش حاجة.
بعدين… بدأت.
حسيت بحرارة غريبة بتجري في عروقي… زي نار هادية بتتحرك جوايا… بعد ثواني… الحرارة اتحولت لحرقان.
قبضت على إيدي بقوة… أسناني اتطبقت على بعض.
هو كان واقف قدامي… بيراقب… مش بيتحرك… بس
الألم زاد.
حسيت كأن جسمي بيتشد من جواه… كأن كل خلية بتتخانق مع التانية.
صرخت غصب عني.
قال بسرعة:
"بصيلي! ركزي معايا!"
حاولت… بصيت له بصعوبة.
"تنفسي ببطء… متقاوميش… سيبي جسمك يتأقلم."
الكلام كان سهل… لكن اللي بحسه كان أبعد ما يكون عن السهولة.
بدأت أشوف حاجات… مش واضحة… ضباب… صور بتتغير بسرعة… صوت أبويا… وهو بيناديني… صوت بعيد… ضعيف.
دموعي نزلت:
"بابا…"
وفجأة… الألم وقف.
كأن حد فصل زرار.
وقعت على السرير وأنا بلهث… جسمي كله عرق… ومش قادرة أتحرك.
هو قرب بسرعة… قاس النبض… الضغط… وكان واضح عليه توتر لأول مرة.
قال بصوت منخفض:
"استجابتك… أعلى من المتوقع."
ضحكت ضحكة ضعيفة:
"دي مجاملة ولا أنا هموت؟"
بصلي… ولأول مرة… كان في قلق حقيقي في عينه.
"إنتي قوية… بس اللي بيحصل… كبير."
عدت ساعات… وأنا بين صحيان ونوم… جسمي بيتعب ويرتاح… موجات.
وفي كل مرة… بحس إن في حاجة جوايا بتتغير.
مش بس جسمي… لأ… إحساسي كمان.
بقيت أسمع أدق… أحس أسرع… حتى الضوء بقي مختلف.
في اليوم التاني… صحيت وأنا حاسة إني أخف… بس في
قمت من السرير… وبصيت في المراية…
وقفت.
أنا… أنا شكلي متغير.
مش كتير… بس ملامحي فيها حاجة جديدة… عيني أهدى… وبشرتي أنقى… كأن جسمي فعلاً بيعيد ترتيب نفسه.
خرجت من الأوضة… لقيته واقف في الصالة… كأنه مستني اللحظة دي.
بصلي… وسأل بهدوء:
"حاسّة بإيه؟"
قلت وأنا لسه مستغربة:
"مش أنا."
سكت… وبعدين قال:
"ده طبيعي… جسمك بيعيد توازنه."
قربت منه خطوة:
"أنا مش فاهمة… بس حاسة إن في حاجة جوايا… أقوى."
هز راسه:
"وده اللي كنا بندور عليه."
سألته بسرعة:
"وأبويا؟!"
قال:
"لو المرحلة دي استقرت… نقدر نبدأ ننقل النتائج ليه."
الأمل ضرب قلبي بقوة.
بس في نفس اللحظة… في حاجة تانية ظهرت…
إحساس خفي… قلق.
بصيت له وقلت:
"طب وإيه المقابل الحقيقي؟"
سكت.
نظراته اتغيرت… ورجعت الغموض اللي كنت بخاف منه.
قال ببطء:
"كل تجربة… ليها تمن."
اتجمدت مكاني:
"يعني إيه؟"
قرب خطوة… وقال بصوت هادي بس تقيل:
"التغيير اللي بيحصل جواكي… مش مؤقت."
حسيت إن قلبي وقع.
"هتفضلي… مختلفة."
سكت… وبعدين كمل:
"وممكن… مش ترجعي زي الأول أبدًا."
الكلمة علقت
"أبدًا."
بصيت في المراية تاني… وبصيت لنفسي…
وساعتها بس فهمت…
أنا مش بس بحارب عشان أنقذ أبويا…
أنا بدأت أخسر نفسي… حتة حتة.
ومكنتش أعرف… إن اللي لسه جاي…
هيخليني أختار اختيار… مفيش منه رجوع.