ارمله تجد عجوز

لمحة نيوز


أنتِ حقًا ساحرة؟
ضحكت
لا يا صغيرتي فقط تعلمت أن أرى ما لا يراه الآخرون.
ومع الوقت، فهمت شيئًا مهمًا
كانوا يسمّونها ساحرة لأنها امرأة قوية لا تخضع.
لأنها تملك.
لأنها تتحدث بوضوح.
ولأنها كبرت دون أن تطلب الإذن.
كثيرًا ما تُحوَّل النساء القويات إلى وحوش حتى لا يُستمع إليهن.
بعد أسبوع، جاء كاتب عدل.
جلست إيلينا بجانبي وقالت
لا عائلة لي سوى الدم الذي خانني العائلة الحقيقية هي من يرفعك حين تسقط.
وقّعت الوثائق.
ومنحتني حق استخدام المنزل، وجزءًا من ممتلكاتها لإنشاء مطبخ خيري وملجأ للأمهات.
بكيت
لماذا أنا؟
أمسكت يدي وقالت
لأنك حين لم أكن شيئًا أعطيتِني خبزًا.
النهاية
بعد أشهر، تغيّر كل شيء.
تحوّل المنزل.
حيث كان هناك تسرب للماء أصبحت هناك طاولات طويلة.
حيث كان الحزن صار هناك ضحك.
وحيث كنت أطلب المساعدة أصبحت أقدّمها.
وصلت أمهاتٌ كثيرات، يحملن في أعينهن خجلًا ثقيلاً يشبه الخوف، وفي قلوبهن تعب سنواتٍ من الصمت والانكسار. كنّ يطرُقن الباب بخفة، كأنهن يعتذرن عن وجودهن، ويدخلن بخطوات

مترددة، ينظرن حولهن بحذر لكنهن ما كنّ يلبثن أن يرفعن رؤوسهن شيئًا فشيئًا، ومع الأيام، كنّ يغادرن وهنّ أكثر ثباتًا، أكثر كرامة، وكأن المكان أعاد إليهن شيئًا ضاع طويلًا.
ماتيو لم يعد ذلك الطفل الذي يخفي ضعفه خلف الصمت. صار يقف في المطبخ بثقة، يساعد في تقطيع الخبز، يوزّع الطعام على الصغار، ويبتسم وكأنه وجد دورًا حقيقيًا في هذا العالم. لم يعد يحمل العصا خوفًا بل صار يحمل المسؤولية.
أما لوسيا، فقد تغيّرت عيناها. تلك الطفلة التي كانت تبكي من الجوع، صارت تجلس بجانب إيلينا، تتعلم الحروف بصبر، تتهجّى الكلمات وكأنها تفتح أبوابًا جديدة للحياة. كانت تضحك حين تخطئ، وتعيد المحاولة دون خوف، لأن أحدًا لم يعد يوبّخها بل يشجعها.
والصغار أولئك الذين كانوا ينامون متلاصقين خوفًا من الليل، لم يعودوا يخشونه. صاروا ينامون بهدوء، يبتسمون وهم مغمضو الأعين، وكأنهم أخيرًا صدّقوا أن الغد لن يكون قاسيًا كما كان الأمس.
وأنا
لأول مرة منذ سنوات طويلة، لم أعد أعدّ أنفاسي قبل النوم، ولم أعد أستيقظ مذعورة
عند كل صوت. نمت بسلام سلام لم أعرفه منذ رحيل زوجي. كان النوم خفيفًا في البداية، كأن جسدي لا يصدق، ثم صار عميقًا، دافئًا، حقيقيًا.
لكن في صباحٍ هادئ، مختلفٍ عن كل الصباحات، شعرت بأن شيئًا قد تغيّر.
دخلت الغرفة فوجدت سرير إيلينا فارغًا.
لم تكن هناك فوضى، ولا أثر استعجال فقط غيابٌ هادئ، كأنها غادرت دون أن توقظ أحدًا.
اقتربت ببطء.
على الوسادة، كانت هناك ورقة صغيرة.
فتحتها بيدين ترتجفان.
لم تعودي بحاجة إليّ الآن أنتِ من تُنقذ.
وقفت طويلاً أحدّق في الكلمات.
لم أبكِ فورًا بل شعرت بشيء أعمق من البكاء. شعرت أنني كبرت فجأة أن شيئًا انتقل مني إليها أو منها إليّ.
لم تعد.
بحثنا عنها.
سألنا في الطرقات، عند المنعطف، في البيوت القريبة، وحتى عند البحر البعيد الذي لم أزره من قبل.
يقول البعض إنها رحلت إلى هناك، حيث لا وجع ولا ظلم.
ويقول آخرون إنها أنهت حياتها بسلام، بعدما اطمأن قلبها.
أما أطفالي
فيقسمون أنهم يرونها أحيانًا.
يقول ماتيو إنه رآها ذات ليلة، جالسة عند البوابة، تراقب بصمت.
وتقول
لوسيا إنها شعرت بيدٍ تربت على رأسها وهي نائمة.
وأنا
لا أعرف إن كان ما يقولونه حقيقة أم حنينًا.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا لا يتغيّر
أن حياتي لم تعد كما كانت.
منذ ذلك اليوم الذي توقفت فيه عند امرأةٍ مهجورة على الطريق
تغيّر كل شيء.
لم يكن الأمر سحرًا.
لم تكن معجزة خارقة.
كان شيئًا أبسط وأقوى.
كان إنسانية.
تعلمت أن الخير لا يضيع، حتى لو تأخر.
وأن اليد التي تمتد لمساعدة غيرها قد تكون في الحقيقة تنقذ نفسها.
وأن من يُرمى جانب الطريق قد يكون هو من يعيدك إلى الطريق الصحيح.
الرسالة
أحيانًا، ذلك الشخص الذي يصفه الجميع بأنه مجنون أو عبء أو لا فائدة منه
ليس سوى إنسانٍ مكسور، لم يجد من يسمعه.
إنسانٌ أخفته القسوة، لا الجنون.
وإنسانٌ صمت لأن أحدًا لم يمنحه فرصة للكلام.
وأحيانًا
تصرف صغير قطعة خبز كلمة طيبة لحظة توقف
قد لا تعني لك الكثير
لكنها بالنسبة لشخصٍ آخر
قد تعني بداية حياةٍ جديدة.
قد تعني النجاة.
قد تعني الأمل.
فاسأل نفسك
لو رأيت إنسانًا متروكًا على الطريق، لا أحد يلتفت إليه
هل
ستمرّ من جانبه وكأنك لم ترَ شيئًا؟
أم ستتوقف
ولو للحظة
لتكون الفرق؟

 

تم نسخ الرابط