الخرسه حكايات زهرة الربيع

لمحة نيوز

مستر شارلز.. أنت جاي هنا بتهددنا بالأرقام؟ طب تعالى نلعب بالأرقام اللي بجد.
طلعت من جيبي تابلت كنت ماسكاه، ورميته قدامه على الترابيزة.
الصفحة التالتة، بند الاستثمارات غير المباشرة في أسهم شركتك اللي في نيويورك.. عارف ده معناه إيه؟ معناه إن لو مجموعة الشاذلي وقعت، أسهمك أنت هتتبخر في أول جلسة بورصة الصبح.
سكت ثانية، وابتسمت ابتسامة باردة أنت جاي تشتري غرقان، بس نسيت إن الغرقان ده ماسك في رقبتك.. ولو وقعنا، هنشدك معانا للقاع، وصدقني.. قاعنا سحيق.
القاعة كانت ميتة، بس المرة دي السكوت مش خيبة أمل.. ده كان سكوت الصدمة والذهول. أبويا كان بيحاول يستوعب، عيونه كانت متعلقة بيا كأني طوق نجاة، أو كأني لغز اتحل أخيراً.
شارلز كينج مسح العرق اللي بدأ يظهر على جبينه، وقال بصوت مهزوز أنتِ.. أنتِ مين؟
بصيت لأبويا، وابتسمت له ابتسامة صغيرة، وبعدها رجعت بصيت لشارلز
أنا الخرسة اللي هتدفعك تمن الغرور ده غالي.. والاجتماع خلص، والشركة دي مش للبيع، لا النهاردة، ولا بعد مية سنة.
طلعت من القاعة وأنا سامعة ورايا دبة رجلين أبويا وهو بيقوم، يمكن بيجري ورايا، يمكن عايز يعرف هي البنت دي كانت
فين كل السنين دي؟
مش فارق معايا.. اللي فارق إني رديت اعتباري، ولقبتي الحقيقي اللي كنت مخبياه، طلع في اللحظة اللي العيلة كانت محتاجة فيه ل أسد مش ل هانم.
خرجت من القاعة بخطوات واثقة، مسمعتش ورايا غير صوت كراسي بتتحرك بعنف وأصوات هامسة مذهولة. مكنتش عايزة ألتفت، مش عشان خايفة، بس عشان اللحظة دي كانت ملكي لوحدي. أخيراً، قفص الصمت اتكسر، والوحش اللي جوه الخرسة طلع عشان ينهي اللعبة اللي بقالهم سنين بيلعبوها على قفاي.
أبويا كان ورايا على طول، خطواته سريعة ومرتبكة، لدرجة إني سمعت نفسه عالي وهو بينادي فريدة! استني يا فريدة!
وقفت في طرقة المكتب الطويلة، الحيطان هنا مليانة صور أجدادي، المؤسسين اللي بنوا الإمبراطورية دي بدمهم. التفت له، وشفت في عينيه خليط غريب من الانكسار، والفرحة، والذهول. كان بيدور على الكلمات، زي طفل تاه منه أبوه، ولما لقاه، مش عارف يعاتبه ولا يحضنه.
قرب مني ووقف قدامي، مد إيده المرتعشة عشان يلمس كتفي، بس اتراجع في آخر لحظة، كأنه خايف أختفي أو أرجع أخرس تاني.
فريدة.. أنتي.. أنتي اتكلمتي؟ من امتى؟ ليه؟ صوته كان مبحوح، مليان تساؤلات سنين من السكوت المريب.

بصيت في عينيه مباشرة، لأول مرة، من غير ما أهرب بوشي أو أعمل دور البنت الهبلة. قلت بصوت هادي وعميق كنت بتعلم يا بابا.. بتعلم إزاي الغابة بتشتغل، وإزاي الذئاب بتتربص بالضعيف. كنت مستنية اللحظة اللي يفتكروني فيها أخيراً لقمة سهلة عشان أوريكم مين فينا فعلاً اللي بيحرك الخيوط.
حاول يتكلم، بس الكلمات خانته. كملت أنا ببرود شارلز كينج مش هيمشي دلوقتي، ده لسه هيقعد يراجع الحسابات اللي رميتها في وشه، وهيتأكد إن كل حرف قلته حقيقي. والنهارده، بدل ما يشترينا، هو اللي هيترجى مجلس الإدارة عشان نفتح معاه مفاوضات شراكة بشروطنا إحنا.
سبته واقف في مكانه، زي ما سابني سنين واقفة أتفرج على خيبته. دخلت مكتبي الخاص، اللي محدش كان بيدخله غيري، وفتحت اللاب توب. الدنيا كانت بتغلي بره، الموظفين كلهم عرفوا الخبر، الوريثة اتكلمت ووقفت شارلز كينج عند حده. التليفونات مبطلتش رن، والكل عايز يفهم الحكاية، بس كان فيه حاجة واحدة أهم من كل ده.
فتحت ملف سري كنت بحضر له من شهور، ملف بيضم كل التجاوزات المالية لولاد عمي، حمزة وليلى، اللي كانوا بيحاولوا يبيعوا الشركة من ورانا لشركات تانية عشان يضمنوا
لنفسهم عمولات. طول السنين اللي فاتت، مكنتش مبلمة، كنت مراقبة. كنت بسجل كل حركة، كل غلطة، وكل خيانة.
الباب خبط، دخل حمزة، وشه كان أصفر ومحتقن، وشكله بجد كان مرعوب. دخل وقفل الباب وراه، وقال بصوت مهزوز فريدة.. إيه اللي عملتيه ده؟ إحنا اتفقنا.. يعني.. قصدي.. إحنا كنا بنهزر!
بصيت له بابتسامة صفراء، زي ابتسامات الموت. بتهزروا؟ طب إيه رأيك بقى في الهزار اللي في الملف ده؟ وشورت له على الشاشة. قرب وشاف الأرقام، والأسماء، والتحويلات البنكية اللي تثبت تورطه في اختلاسات مالية وتسهيل صفقات مشبوهة.
وقفت، واتحركت ناحيته ببطء، لحد ما وقفت قدامه مباشرة. الخرسة مش بس بتعرف تتكلم يا حمزة.. الخرسة بتعرف تشوف اللي أنت مفكر إنك مخبيه في الضلمة. من النهارده، مفيش أخت كبيرة بتسمع تريقة، فيه رئيسة تنفيذية بتفصل موظفين خاينين.
خرج وهو بيجر رجله، مش قادر ينطق حرف، عارف إن كارت اللعبة بتاعه اتحرق. قعدت على كرسي المكتب، وغمضت عيني لحظة. أخيراً، بدأت أعيش حياتي الحقيقية، بعيداً عن القفص الذهبي، وبعيداً عن دور الضحية. دلوقتي، الكل هيعرف إن فريدة الشاذلي مش بس وريثة، دي هي اللي هتقود العاصفة،
وبإيديها الاتنين.

تم نسخ الرابط