ارقص معايا...حكايات انجي الخطيب
بارت 1
ارقص معايا وكأنك بتحبني.. فيه قناص منشن على جبهتك، متتحركش، متبصش حواليك، ومثل الدور للآخر.
الظابط المتخفية في زي ويتر بيخدم في حفلة خيرية كبيرة هي اللي أنقذت اكبر رجل اعمال وغيرت إمبراطوريته للأبد.
نور مكنتش مجرد ويتر غلبانة، دي كانت الرائد نور عز الدين، والزي ده كان مجرد غطاء لعملية تأمين يوسف السيوفي، الحوت اللي شاغل البلد كلها ومطلوب رأسه من أعداء ملهومش عدد. نور كانت مراقبة الموقف بقالها ساعات، حاسة إن فيه حاجة غلط، وعينها بتمسح الوجوه ببرود احترافي.
كأس العصير كان خلاص هيقع من إيد نور ويترزع على الأرض الرخام ويتفرفت مېت حتة، بس لحقته في آخر ثانية. كف إيدها ۏجعها من شدة المسکة والصينية الفضية اتهزت على ذراعها، وفي لحظة ذل وتوتر اتخيلت القاعة كلها بتلف تبص على الويتر الغلبانة اللي كسرت الكريستال في أهم حفلة خيرية في القاهرة، بس محدش بص، ما هو محدش بيبص للشغالين أصلاً إلا لو سدوا الطريق.
القاعة كانت بتبرق تحت نجف دهب مهول كأنه خارج من قصر عابدين مش مجرد فندق على النيل، ومن ورا القزاز العالي كان النيل ممدود أسود وهادي تحت ضوء القمر. ستات بفساتين تمنها أكتر من اللي بتكسبه نور في سنة كاملة وهي بتخدم البلد ومبتنامش ، ورجالة ببدل سموكن متفصلة بالمللي بيضحكوا بهدوء ولابسين ساعات تخلص أقساط شقة أي حد.
يوسف الهدف كان واقف بهيبته المعتادة، أصغر بكتير من اللي يتخيله أي حد في مكانه، وملامحه مرسومة بمسطرة كأنها منحوتة. ساعته البلاتين كانت بټخطف العين، وكان بيسمع أكتر ما بيتكلم، بس الكل كان بيميل ناحيته وهو مش حاسس. هيبة طبيعية نور قالت لنفسها، دي طالعة من جواه مش تمثيل.
قربت نور بالصينية وهي حافظة دورها، وفجأة لمحتها.. نقطة حمراء.. صغيرة.. وحادة.
النقطة كانت بترقص على كتف بدلته، وطلعت ببطء لحد ما استقرت في نص جبهته بالظبط. النقطة كانت ليزر قناص!
نور مأصدرتش صړخة واحدة، القرار جه زي البرق. حطت الصينية ببرود يحسد عليه، وقربت منه بخطوات واثقة، وابتسمت ابتسامة هانم بايعة الدنيا، ولمست ذراعه وقالت له بصوت واطي ومستخبي
ارقص معايا وكأنك بتحبني.. فيه قناص منشن على جبهتك، متتحركش، متبصش حواليك، ومثل الدور للآخر.
يوسف ملامحه مهتزتش، بس الهدوء اللي جواه اتحول لشرار مرعب. انتي مين؟ سألها ببرود، ردت وهي لسه محافظة على ضحكتها الرقيقة قدام الناس أنا الرائد نور عز الدين، والسبب الوحيد اللي مخليك لسه بتتنفس لحد اللحظة دي.
يوسف سحبها عليه وبدأوا يتحركوا مع المزيكا كأنهم عشاق في مشهد سينما. وأثق فيكي ليه يا سيادة الرائد؟ وايه عرفني انك رائد بجد همس وهو بيضغط على خصرها بقوة. نور ثبتت عينها في عينه وقالت لأن النقطة لسه منقولة من جبهتك لخدك .. لو عايز تعيش، حط إيدك
لأول مرة، يوسف السيوفي نفذ الأمر من غير نقاش. عندنا خاېن من رجالتك، همست نور وهي بتلف معاه، الراجل اللي لابس كرافتة رمادي، ده اللي بيدي الإشارة للقناص بموبايله. يوسف لمح الوميض المعدني من المبنى اللي قدام الفندق، المۏت كان مستني لحظة ثبات واحدة.
نور لزقت فيه أكتر عشان تبان لقطة حب مش محاولة نجاة، وهمست في ودنه لما أقولك تلاتة، تلف بيا وتنزل الأرض وتغطي ضهري.. واحد. نور بصالة وبتضحك وبتمثل دورها للاخر اتنين. بصت بعيد لقت حد ضحك بصوت عالي، تلاتة!
نور شدت يوسف بكل قوتها وسحبت طبنجتها من تحت
لبسها في اللحظة اللي طلقة القناص شقت القزاز، والمكان كله اتقلب لساحة صړاخ وفوضى ملهياش آخر، وهي بتصرخ في اللاسلكي تم التنفيذ.. الهدف متأمن.. اقتحموا المكان!
بقلم انجي الخطيب
الصوت كان لسه بيرن في القاعة زي الرعد، والأرض اتفرشت بمليون فص كريستال من القزاز اللي اتدمر. نور ويوسف كانوا في قلب الفوضى، هي سحباه ورا عمود رخام ضخم، وحامية ضهره بجسمها وهي مجهزة طبنجتها ال حلوان وعينها بتمسح المكان بتركيز مخيف.
يوسف كان لسه مذهول، النفس طالع نازل بصعوبة، بس عينيه كانت بتراقب نور بذهول.. الويتر الغلبانة اللي كانت بتقدم عصير من خمس دقايق، دلوقتي بتدي أوامر للقيادة في اللاسلكي بصوت يرج القاعة
قوة الاقټحام! القناص في البرج الشمالي، الدور ال 12.. الرمادي اللي هنا اتقبض عليه؟
يوسف بص جنبه، لقى الراجل اللي كان لابس كرافتة رمادي مرمي على الأرض، ورصاصة نور جايبة كتفه بالمللي قبل ما يلحق يسحب سلاحھ. بص لنور وهمس بذهول
انتي بجد ظابط؟ أنا افتكرتك.. افتكرتك جاية تصفي حسابات.
نور بصتله بحدة وهي بتبدل خزنة السلاح ببراعة احترافية
لو كنت جاية أصفي حسابات، كنت سيبت القناص يقوم بالواجب ويخلصنا منك.. ركز معايا يا سيوفي، الحفلة دي كانت فخ، واللي برا دول مش مجرد قناص، دول جيش.
فجأة، باب القاعة الرئيسي انخلع من مكانه، ودخلت مجموعة لابسة أسود في أسود، بس مكنوش شرطة.. مكنوش تبع نور. كانوا لابسين أقنعة وبادئين يضربوا ڼار عشوائي عشان يغطوا على هروبهم بالهدف.
نور سحبت يوسف من دراعه بقوة
ورايا.. بسرعة! ممر الخدمة اللي ورا الكواليس هو طريقنا الوحيد قبل ما القاعة تقفل علينا وتتحول لمقپرة.
يوسف جرى وراها وهو بيحاول يستوعب الموقف، الحوت اللي كان بيمشي بجيش حراسة، دلوقتي حياته كلها متعلقة في إيد بنت بزي نادلة. وهما بيجروا في الممرات الضيقة للمطبخ، نور وقفت فجأة، رفعت سلاحھا وضړبت طلقتين في ضلفة باب حديد كانت هتتفتح.. وقع من وراها واحد ضخم كان مستنيهم.
نور بصت ليوسف وقالتله بلهجة سينمائية حادة
أنا مش حراستك الخاصة يا سيوفي، أنا هنا عشان أجيب اللي باعتهم، وعشان أجيبك حي.. فلو سمحت،
وصلوا لباب الخروج الخلفي، ولقوا عربية جيب سوداء مستنية، الموتور داير والمكان محاصر بصوت سرينات الشرطة اللي بدأت تقرب، بس قبل ما يوصلوا للعربية، صوت انفجار هز الفندق كله من وراهم، ونور ويوسف اترموا على الأرض من شدة الموجة الانفجارية.
يوسف وهو بيقوم وبيمسح التراب من على بدلته اللي كانت من شوية تمنها ملايين
الناس دي مش هيهدالهم بال إلا لما يشوفوني مېت يا نور.. انتي عارفة انتي ډخلتي نفسك في إيه؟
نور قامت ببرود، نفضت لبس النادلة المقطع، وبصت له وعينها بتلمع بتحدي
أنا اللي بدخل نفسي في اللي أنا عايزاه.. والظاهر إن إمبراطوريتك دي محتاجة تنظيف من الجذور.. اركب العربية وأنت ساكت.
بقلم انجي الخطيب
نور محستش بنفسها غير وهي بتحدف يوسف جوه العربية الجيب وبترزع الباب وراها، ونطت في كرسى السواق. الانفجار كان لسه صوته بيصفر في ودنها، وقزاز الفندق كان بينزل وراهم زي المطر.
ثبت نفسك! صړخت نور وهي بتجيب غيار السرعة وبتدوس بنزين لآخر الدواسة. الموتور زأر والعربية انطلقت، بس في نفس اللحظة، عربيتين دفع رباعي سود ظهروا من ورا سور الفندق وبدأوا المطاردة.
الطريق كان فاضي والجو ليل، النيل على يمينهم بيبرق تحت نور العواميد، وصوت ضړب الڼار بدأ ينهش في صاج العربية من
ورا. يوسف كان ورا، بيحاول يحافظ
على ثباته وهو شايف الړصاص بيخرم القزاز الخلفي.
دول مش هيسيبونا يا نور! دول صيادين ومبيجوعوش! يوسف زعق وهو بيوطي راسه.
نور بصت في المراية، ملامحها كانت حديد، مفيش فيها ذرة خوف. الصياد مبيعرفش يصطاد غير لو الفريسة خاڤت.. وأنا مش فريسة.
نور كسرت الدريكسيون فجأة ودخلت في شارع جانبي ضيق، العربية مالت بيهم لدرجة إنها كانت هتتقلب، وطلعت تاني على الكورنيش. العربية اللي وراهم كانت بتقرب، واحد من اللي راكبينها طلع نص جسمه من الشباك ومعاه آلي وبدأ يرش.
يوسف! افتح درج التابلوه عندك! نور زعقت وهي بتفادي عربية نقل كانت ماشية في طريقهم. يوسف فتح الدرج لقى قنبلتين دخان. ارمي واحدة دلوقتي ورا العربية.. دلوقتي!
يوسف نفذ من غير تفكير، الدخان الأسود ملى الشارع في ثواني، وعربية المهاجمين دخلت في الدخان وعملت أكسيدنت مع رصيف الكورنيش وطارت في الهوا. نور مستنتش تشوفهم، فضلت ماشية بسرعة چنونية، بتدخل من حارة تطلع من زقاق، وهي حافظة خريطة القاهرة في دماغها كأنها جي بي إس بشړي، لحد ما اتأكدت إن الشارع بقى هسس.. ومحدش وراهم.
بعد نص ساعة، العربية وقفت قدام بيت قديم في منطقة معزولة في أطراف المعادي، بيت باين عليه إنه مهجور بس متأمن بكاميرات مخفية. نور نزلت وهي لسه ماسكة سلاحھا، وفتحت الباب ليوسف.
انزل.
دخلوا الصالة الكبيرة، النور كان خاڤت، والهدوء اللي في المكان كان بيضغط على الأعصاب بعد الدوشة اللي عاشوها. نور رمت مفاتيح العربية على التربيزة، وقلعت جاكيت النادلة المقطع وظهر تحته الجراب بتاع السلاح المثبت على ضهرها.
يوسف وقف في نص الصالة، فك الكرافتة بتاعته ببطء، وبص لنور بنظرة غامضة.. نظرة فيها إعجاب، وفيها خوف، وفيها ألف سؤال.
المواجهة بقى.. يوسف بدأ يتكلم بصوت هادي بس عميق. انتي مين يا نور؟ وقصدك إيه إنك عايزة تجيبيني حي؟ الجهاز بتاعك باعتك تحميني ولا باعتك عشان تخليني أفتح دفاتري القديمة؟
نور قربت منه، وقفت قدامه بالظبط، المسافة بينهم مكنتش تزيد عن شبر. الجهاز باعتني عشان يوسف السيوفي كنز معلومات، ومۏته خسارة للدولة. لكن بالنسبة لي أنا؟ أنا عايزة أعرف إزاي واحد بذكاءك ده ساب تعابين زي دول يوصلوا لقلب إمبراطوريتك؟
يوسف ضحك ضحكة قصيرة مليانة ۏجع الإمبراطورية اللي بتتكلمي عنها دي متبنية على أرض مش ثابتة يا سيادة الرائد. والنهاردة، الأرض دي اتهزت بجد.
نور ربعت إيدها وبصت له بتحدي الأرض متهزتش يا يوسف.. الأرض انشقت، وإنت لو محكيتش ليا كل حاجة من أول الراجل الرمادي لحد الصفقات اللي خلت القناص ده يجيلك مخصوص، مش هقدر أضمن إنك تطلع من البيت ده صاحي الصبح.
يوسف قرب خطوة، وصوته بقى همس ولو حكيت.. هتكوني انتي أول واحدة في خطړ.. تقدري تشيلي الشيلة دي يا نور؟
نور عينها مرمشتش حتى ، وبنبرة قوية ردت أنا رصاصتي مابتجليش.. والشيلة اللي متقدرش تشيلها الرائد نور مهران، متبقاش لسه اتخلقت.
يوسف سكت لحظة، وعينه راحت للسلاح اللي في ضهرها، وبعدين رجع بص في عينيها بتحدي وهو بيقرب أكتر، لدرجة إن أنفاسهم اتقابلت.
انتي فاكرة إن الموضوع صفقات وسلاح وبس؟ يوسف قالها بنبرة صوت واطية بس مرعبة، انتي فاكرة إنك لما تحميني من قناص، يبقى كدة ملكتي مفاتيح يوسف السيوفي؟ يا سيادة الرائد، أنا اللي زيك بيخافوا حتى يقروا ملفي في الجهاز عندك.. أنتي النهاردة مأنقذتيش رجل أعمال، أنتي فتحتي على نفسك باب جهنم، والباب ده مبيتقفلش غير پالدم.
نور محركتش
شعرة منها، وفضلت بصاله بمنتهى البرود، وقالت بصوت حاد زي المشرط هوس السلطة ده خليه للي بيترعشوا منك يا يوسف.. أنا قدامي دلوقتي راجل مكشوف، حراسته خانته، وقصره اتضرب، وموش وراه غير ويتر هي اللي شايلة روحه على كفها. بلاش تعيش دور الحوت وأنت في حوض سمك صغير وتحت إيدي.
يوسف ضحك بمرارة وهو بيلف حواليها في الصالة الضلمة زي النمر المحبوس حوض سمك؟ أنتي عارفة الراجل الرمادي اللي صفتيه ده يبقى مين؟ ده كان دراعي اليمين بقاله عشر سنين.. عارفة ده معناه إيه؟ معناه إن مفيش حد يتؤمن، معناه إن الجهاز بتاعك نفسه ممكن يكون مخروق.. إيه