لم اكن اظن
تقف هناك
فاطمة.
لم نرَ بعضنا منذ اثني عشر عامًا
كانت لا تزال جميلة لكن شيئًا فيها تغيّر.
جسدها أنحف، وعيناها غائرتان، وكأنها تحمل ثقل سنوات لم أعشها معها.
تبادلنا النظرات للحظات
ثم اقتربت مني وعانقتني.
عناق طويل صامت بلا دموع.
ابتعدت قليلًا، ونظرت إليّ مباشرة، ثم قالت بهدوء
أمي لم يكن ينبغي أن تأتي.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
سألتها
أين زوجك؟ ولماذا لا يوجد له أي أثر؟ وما هذا المال في الأعلى؟
صمتت طويلًا
ثم قالت بصوت منخفض
أمي أنا لست متزوجة.
شعرت وكأن العالم توقف.
ماذا تقولين؟
نظرت إليّ، وقالت بهدوء مؤلم
لم أتزوج قط.
تجمدت في مكاني، وشعرت وكأن العالم توقف للحظة.
حدّقت فيها غير مصدقة، ثم خرج صوتي بصعوبة
ماذا تقولين؟
خفضت عينيها قليلًا، وقالت بصوت خافت
قبل اثني عشر عامًا كذبت عليك.
صمتت لحظة، وكأن الكلمات تثقل عليها، ثم أضافت
لم يكن هناك زواج ولا رجل كما تخيّلتِ.
شعرت وكأن الأرض تميد بي، وكأن كل تلك السنوات انهارت فجأة.
تمتمتُ بصوت مرتجف
لكن كيف؟
رفعت عينيها نحوي، وقالت ببطء
كنت أظن أنني أحبّه أو ربما كنت أحب الصورة التي رسمتها في خيالي ذلك الشاب الكوري الذي كنت أراه في المسلسلات وأصدّق أنه حقيقي.
ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم أردفت
لكنه لم يكن كذلك كان مجرد وهم وأنا صدّقته.
اقتربت خطوة، وكأنها تريد أن تقول شيئًا
استغلّ ذلك عرف كيف يجعلني أصدّق كل كلمة حتى وجدت نفسي هنا وحدي.
شعرت بانقباض في صدري، وسألتها بصوت يكاد لا يُسمع
ثم ماذا؟
ترددت قليلًا، ثم قالت بصوت أخفض
وفي النهاية لم يعد أمامي خيار.
أي خيار يا فاطمة؟
نظرت بعيدًا، وكأنها تهرب من نظراتي، ثم قالت ببطء
بدأت أعمل عملًا لم أختره حقًا لكنه أصبح حياتي.
صمتت لحظة، ثم أضافت وهي بالكاد تنظر إليّ
وكل هذا المال هو ثمن ذلك.
لم أستطع الرد. كنت أنظر إليها فقط، أحاول أن أفهم.
تنهدت بعمق، ثم جلست، وكأنها استسلمت أخيرًا للكلام
قبل اثني عشر عامًا لم يكن لديّ شيء يا أمي. الفقر، الديون وحتى مرضك. كنت أبحث عن أي طريق.
سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها موجعة
عندما تعرّفت إلى كانغ جون في البداية، ظننت أنه فرصة شخص يمكن أن يغيّر حياتي. لكن الأمور لم تسر كما تخيّلت.
نظرت إليّ مباشرة
لم أكن زوجته لكنني لم أكن حرة أيضًا.
ابتسمت بمرارة
كان عليّ أن أكون كما يريد أن أبتسم حين يجب، وأن أصمت حين يجب وأن أستمر.
شعرت أن قلبي يُعصر، فسألتها بصوت مكسور
ماذا تقولين؟ اصمتي لا أريد سماع أي شيء؟
أومأت برأسها ببطء، وقالت
أعلم كم هو قاسٍ لكن إن لم أفعل، فمن أين سنحصل على المال؟ كيف كنت سأعالجك؟ وكيف كنا سنسدد الديون؟ لم يكن لديّ خيار آخر.
لم أشعر بدموعي وهي تنزل، كنت
تابعت بصوت هادئ
هذا المنزل ليس كما يبدو. والمال الذي رأيته لم يُستخدم بعد. جزء منه كنت أرسله لك، والباقي محفوظ.
توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أثقل
هناك اتفاق إذا تركته قبل انتهاء الوقت المتفق بيننا قد أدخل السجن.
نظرت إليّ مباشرة، وكأنها تنتظر حكمي، ثم قالت
لم يتبقَّ سوى عامين.
شعرت بشيء ينفجر داخلي.
عامان وكأنها تقول لي إن ما تعيشه طبيعي.
لم أتمالك نفسي، وقلت بحدة حاولت أن أخفيها
وهذا ما اخترتِه يا فاطمة؟ هذا هو الطريق الذي رضيتِ به؟
خفضت عينيها، ولم تجب.
تابعت، وصوتي يرتجف بين الغضب والألم
أين كنتِ من ربك؟ أين كنتِ من نفسك؟ هذا الذي تعيشينه ليس حياة.
صمتت، وكأن كل كلمة تصيبها في مكان تعرفه جيدًا.
وفجأة، رنّ هاتفها.
نظرت إلى الشاشة، وتغيّر وجهها في لحظة، وعادت تلك الملامح الباردة التي لم أعرفها.
أجابت بسرعة
نعم أنا قادمة.
أغلقت الهاتف، ثم التفتت إليّ وقالت بصوت خافت
أمي عليّ أن أذهب الآن.
وقفتُ مكاني، أشعر أنني فقدت القدرة على الحركة، أراقبها وهي تتجه إلى غرفتها.
رأيتها ترتدي ملابسها بعناية، وتصفف شعرها، وتتحول في دقائق إلى تلك المرأة المثالية التي يُراد لها أن تكون كذلك.
لم أتمالك نفسي، وقلت بمرارة
هل يجب أن تكوني هكذا طوال الوقت؟
أومأت برأسها دون أن تنظر إليّ
تقريبًا.
رغم كل ما كان يشتعل
ورغم أن ما سمعته كان أثقل مما أحتمل
كانت في النهاية ابنتي.
نظرت إليها للحظة ثم أدرت وجهي بصمت، واتجهت إلى المطبخ دون أن أقول شيئًا.
تحرّكت يداي وحدهما، أعددت طعامًا بسيطًا، كما كنت أفعل لها قديمًا، بنفس التفاصيل الصغيرة التي لم أنسها يومًا.
وضعت الطبق أمامي، ثم ناديتها بهدوء حاولت أن أخفي فيه كل ما بداخلي
تعالي كُلي أولًا.
لم يكن ذلك غفرانًا
ولا قبولًا
لكنه كان كل ما استطعت أن أقدّمه لها في تلك اللحظة.
جلست تأكل في صمت، وأنا أراقبها دون أن أشعر
أحاول أن أرى ملامح الطفلة التي ربّيتها خلف كل هذا التعب.
وفي داخلي، كان سؤال واحد يتردّد بلا توقف
كيف أُخرجها من هذا؟
بعد أن انتهت، وضعت الملعقة بهدوء، ونهضت.
قالت دون أن تنظر إليّ
أمي سأغادر.
لم أستطع الرد.
اكتفيت بالنظر إليها وهي تخرج مرة أخرى، كأنها تبتعد عني من جديد.
بعد أن اختفت، لمحت مفتاحًا صغيرًا على الطاولة.
ترددت لحظة ثم مددت يدي وأخذته.
صعدت إلى الطابق العلوي، ودخلت غرفة الأموال.
كان كل شيء كما هو صامتًا ومخيفًا.
وقفت لحظة، ثم اقتربت من خزانة صغيرة بجانب الجدار.
وضعت المفتاح وكان هو المفتاح الصحيح.
فتحتها ببطء.
في الداخل كان هناك ملف سميك.
أمسكته بيد مرتجفة، وبدأت أقرأ.
اسم فاطمة توقيعها
شروط طويلة قاسية بلا رحمة.
لا يحق لها المغادرة
وفي حال الإخلال تُلزم بإعادة كل الأموال
يُفرض عليها الحفاظ على صورة معينة
ويُمنع عليها