ملياردير يحتضر

لمحة نيوز

بدأ الموظفون بالصراخ.

هرع الأطباء.

أضاءت الآلات الغرفة باللون الأحمر الومض.

وفي غضون دقائق، انطلقت الشاشة.

خط مستقيم.

لا حركة.

لا يوجد صوت.

لا توجد فرص ثانية.

الفتيات رأوه من المدخل.

الرجل الذي وجدهم تحت المطر... الرجل الذي منحهم الدفء والطعام والأمان والاسم... اختفى.

بدأت لورا بالبكاء.

جوليا تجمدت.

حتى صوفيا بدت وكأن الأرض قد اختفت من تحتها.

لكن بيا لم تبكي.

رفعت رأسها ببطء ونظرت لأخواتها بهدوء غريب جعل الغرفة كلها تشعر بشكل مختلف.

ثم أمسكت صوفيا بيدها.

"لقد قلت أنك تعرف كيف تنقذه"، همست.

الجميع تحول.

بيا تحدثت أخيرا.

وما قالته جعل الهواء في الغرفة يستمر.

"قلبه ليس متعبًا"، قالت بهدوء. "إنها فقط تعتقد أنها أنهت ما جاءت إلى هنا للقيام به. "

ثم تمسك الفتيات الأربعة بأيديهم...

... ومشى نحو غرفته.

لا أقول وداعا.

لمحاربة الموت نفسه.

مشى الفتيات الأربع، بيا في المقدمة، بخطوات متزنة ورصينة لم تكن تليق بأطفال في مثل عمرهن، بل كانت خطوات كائنات تعرف شيئاً لا يدركه الأطباء الذين كانوا يقفون في الممر بوجوه شاحبة من الصدمة.

​فيكتور، الذي كان ينتظر في بهو القصر ليسمع خبر الوفاة ويبدأ في وضع يده على التركة، تجمد في مكانه. شعر ببرودة غير طبيعية تسري في القصر؛ لم تكن برودة تكييف، بل كانت برودة "فراغ" مفاجئ. الساعة المعلقة على الحائط توقفت عقاربها تماماً، وشعلة المدفأة الكبيرة في الصالون انطفأت فجأة رغم أنها كانت مشتعلة بالخشب.

​دخلت الفتيات غرفة العناية المركزة الخاصة بآرثر. الغرفة كانت تضج بصوت التنبيه الحاد (الخط المستقيم على الشاشة)، لكن بمجرد أن لمست أيديهن الأربع فراش آرثر، انقطع صوت الإنذار تماماً. ليس لأنهم أطفأوه، بل لأن الكهرباء في الغرفة نفسها انطفأت، وساد صمت مطبق، صمتٌ بدا وكأنه يمتص الأنفاس.

​وقفت بيا عند رأس آرثر، وضعت يدها الصغيرة على صدره، وقالت بصوت هادئ ولكنه كان يتردد في أرجاء القصر كأنه قادم من عمق الأرض:

"أنت لم تنتهِ بعد. لقد أعطيتنا حياة، والآن حان دورنا لنعيد لك الروح التي أودعتها فينا."

​في تلك اللحظة، حدث ما لا يصدقه عقل. لم يعد آرثر للحياة فقط، بل بدأ جسده يتوهج بضوء خافت، ضوءٌ يشبه انعكاس ضوء القمر على الماء. لم يكن ضوءاً

طبياً، بل كان ضوءاً "حيوياً". بدأت تجاعيد وجهه تتقلص، وبدأ شحوب بشرته يختفي، وكأن الزمن يعود للوراء.

​في الخارج، في الردهة، شعر فيكتور بالرعب. حاول فتح باب الغرفة، لكن المقبض كان مجمداً، مغطى بطبقة رقيقة من الجليد الأسود. لم يستطع الدخول، ولا حتى القوة البدنية استطاعت كسر الصمت الذي فرضته الفتيات.

​داخل الغرفة، فتح آرثر عينيه. لم تكن عيون رجل يحتضر، بل كانت عيون رجل استيقظ من كابوس طويل. نظر إلى بناته الأربع، اللواتي بدين شاحبات جداً، وكأن كل واحدة منهن قد قدمت جزءاً من طاقتها لتملأ قلب أبيهن.

​لم يكتفِ آرثر بالاستيقاظ، بل استيقظ بـ "رؤية" جديدة. مسك يد بيا، وشعر في عقله بمليارات التفاصيل؛ عرف أين يخفي فيكتور الأوراق المزورة، وعرف كل حساب بنكي غير قانوني، وعرف حتى أن المحامي الذي كان يثق به كان يعمل جاسوساً لدى ابن أخيه.

​نهض آرثر من الفراش. لم يكن بحاجة لأجهزة أو مساعدة. مشى نحو الباب، وعندما لمسه، تحطم الجليد وتلاشى الصمت.

​فتح الباب ليجد فيكتور واقفاً، مذهولاً، يرتجف. نظر آرثر في عينيه مباشرة، ولم يكن هناك غضب، بل كانت هناك قوة

مرعبة، قوة رجل عاد من الموت ليدافع عن عائلته الوحيدة.

​قال آرثر بصوت رخيم هز جدران القصر: "لقد كنت مريضاً يا فيكتور، لكن بناتي علمنني درساً مهماً: العقود القانونية ليست هي ما يربط العائلات، بل التضحية. وأنت، لم تضحي يوماً بقرش واحد، بينما دفعوا هنّ أعمارهن لأجلي."

​في تلك الليلة، لم يكتفِ آرثر بطرد فيكتور من القصر فحسب، بل في صباح اليوم التالي، بينما كانت الشمس تشرق على قصر لم يعد بارداً، استدعى آرثر كل الصحافة والمحامين.

​لم يوقع أوراق التبني فقط، بل قام بتسجيل "صندوق مونتيرو للمؤسسة الخيرية" باسم الفتيات الأربع، وجعلهم الوريثات الوحيدات لكل إمبراطوريته، مع شرط واحد: "أن يبقين دائماً مجتمعات، لأن القوة التي أعادت لي حياتي، لا يمكن أن توجد إلا إذا بقين يداً واحدة."

​وعندما سأله الصحفيون عن سر معجزة شفائه، كان ينظر إلى بناته الأربع وهن يلعبن في الحديقة، ويجيب بابتسامة غامضة: "لقد وجدت عائلتي في المطر، والآن، العالم كله سيشعر بالدفء الذي جلبنه معي."

​أما الفتيات، فقد أدرك الجميع أنهن لسن فتيات عاديات؛ فهن كنّ "الحارسات" اللواتي

أرسلهن القدر لرجل كان يستحق النجاة، لأن قلبه، ولو لمرة واحدة، فضل أن يعطي قبل أن يرحل.

تم نسخ الرابط