ابويا حب يساعد الثاني
فتحه وطلع منه ورقة صفرا مطوية بعناية.. وصل الأمانة. بص لي وقال وعينه مليانة حزن وقسوة في نفس الوقت الورقة دي يا بنتي توديه ورا الشمس، بس أنا مش عايز سجن.. أنا عايز حقك وحق حرقت قلبك وقلبي يرجع تالت ومتلت، وعايزه يشوف بعينه إن اللحم اللي كله من خيرنا مبيثمرش فيه غير النذالة.
خدت الورقة من إيده، ملمسها كان خشن وزي النار، بس حسيت بأمان غريب وأنا ماسكاها. بصيت لمحمود وقلت له محمود، أنت قولت إن العروسة الجديدة بنت السلحدار.. المنافس الأكبر ليه. تفتكر السلحدار يعرف إن الباشا مديون بملاليم، وإن نجاحه ده كله قايم على شقايا وتعب أخواتي؟
محمود فهم قصدي وابتسم ابتسامة خبيثة السلحدار ميعرفش غير الواجهة اللي هو مصدرهالهم.. فاكر إنه لقطة، شاب عصامي عمل نفسه بنفسه وهيساعده يكبّر إمبراطوريته.
قلت ببرود قاتل تمام.. يبقى الخطة هتتغير. إحنا مش هنستخدم وصل الأمانة دلوقتي خالص. إحنا هنسيبه يغرق في التجهيزات، يشتري الشبكة الألماظ، ويحجز القاعة الفخمة، ويستلف عشان يبيض وشه قدام السلحدار وبنته.. هنسيبه يمد رجله على قد لحافه اللي هيطلع قصير أوي في الآخر.
فتحت تليفوني ودخلت على الإيميل القديم اللي كنت براجع منه شغل الشركة، ونزلت ملفات المقاولات اللي كنت عيناها.. الثغرات اللي في العقود، التوريدات الوهمية، واللعب في المواصفات اللي كان بيعمله من ورايا عشان يوفر فلوس.
بصيت لإخواتي وبابا وقلت أنا مش ههده بس.. أنا همحيه من السوق. هخليه
البيت كله كان مستني قراري، محمود وبابا وعينيهم عليا، وأنا عقلي كان شغال زي الساعة.. الثأر البارد أطعم بكتير من المواجهات المحكومة بالعاطفة.
فتحت اللاب توب وبدأت أفرز الملفات، كان فيه مقايسة لمشروع حيوي كان جوزي شغال عليه حالياً مع الحكومة، وكان بيعتمد فيه على توريدات خامات تحت المستوى عشان يوفر فرق السعر لنفسه.. الفرق ده هو اللي كان بيصرف منه على منظرة الفرح والشبكة الألماظ اللي عايز يبهر بيها بنت السلحدار.
قلت لمحمود بصوت واثق محمود، أنت هتروح تقابل السلحدار.. بس مش بصفتك أخويا، أنت هتروح بصفتك صاحب شركة توريدات، وتعرض عليه صفقة في المشروع الجديد ده، وتلمح له إن الباشا وضعه المالي مهزوز، وإن فيه مخالفات في التوريدات لو اتكشفت الشركة هتقع.
محمود استغرب طب وليه منواجهوش بالورق علطول يا عايدة؟
رديت بابتسامة باردة لأ، السلحدار راجل سوق، لو عرف إننا بننتقم منه هيخاف يدخل طرف في الموضوع.. لكن لو حس إن بنته هتبدأ حياتها مع واحد نصاب وممكن يسحب اسم عيلة السلحدار للنيابة، هو اللي هيقوم بالواجب وزيادة.. أنا عايزاه هو اللي يطرده، وهو اللي يفسخ الخطوبة، وهو اللي يوقفه في السوق.
وفعلاً، بدأ محمود يتحرك.. وأنا قعدت في البيت بتابع من بعيد.
بعد أسبوع، موبايلي رن.. كان هو. رديت بمنتهى الهدوء أيوة؟
صوته كان مهزوز، مش هو ده الوحش اللي كان واقف في نص الصالة بيقل مني عايدة.. أنتِ عملتي إيه؟ السلحدار فسخ الخطوبة، والبنك جمد أرصدة الشركة عشان فيه بلاغات بفساد مالي.. أنتِ اللي ورا ده؟
قمت وقفت ورحت ناحية المراية، بصيت لملامحي اللي رجعت لها الروح وقلت له أنا معملتش حاجة يا باشا.. أنا بس سيبت الخيوط اللي كنت ماسكاها تترخي، وأنت كنت أضعف من إنك تشيل الشيلة لوحدك.. الخمسين ألف بتوع بابا النهاردة بقوا حبل مشنقة حوالين رقبتك.. تحب نتقابل في المحكمة ولا نخلص موضوع الوصل ودي؟
سكت ثواني، وصوته في التليفون كان فيه نهجة حد بيغرق وبيحاول يتعلق بقشاية. رد عليا بصوت مكتوم أنتِ بتهدّي المعبد على اللي فيه يا عايدة.. ولادك ذنبهم إيه يشوفوا أبوهم بيتدمر؟
ضحكت بمرارة وقفت لها شعره ولادك؟ دلوقتي افتكرت إن ليك ولاد؟ ولا خايف على منظرك قدامهم وأنت الباشا اللي وقع من طوله؟ المعبد ده أنت اللي هديته لما بعت الأيد اللي اتمدت لك.. المعبد ده وقع لما فكرت إن كرامتي ملهاش تمن.
قفلت السكة في وشه من غير ما أسمع منه كلمة زيادة. وبعد ساعة، كان واقف قدام بيت بابا.
دخل الصالة، وبابا وإخواتي قاعدين زي الصقور. محمود رمى ملفات العقود قدامه على التربيزة وقاله بنبرة تقطع النفس إمضي.. التنازل عن نص الشركة لعايدة، والشركة التانية تتصفى وتدفع ديونها والملالي اللي هتتبقى منها هي حق السلحدار اللي نصبت عليه.. وإلا، الوصل اللي في إيد أبويا مكانه القسم دلوقتي.
بص لي بعيون فيها رجاء أخير، بس أنا كنت زي الحجر. مكنتش شايفة فيه جوزي، كنت شايفة فيه الدرس اللي اتعلمته بالغالى. مسك القلم وإيده بتترعش، ومضى على التنازل.. مضى على نهاية الإمبراطورية اللي بناها من دم غيره.
وهو خارج من الباب، وقف لثانية وبص لي وقالي أنتِ كدة ارتحتي؟
قربت منه وقلت له بكلمات واضحة زي حد السيف الراحة مكنتش في وقوعك.. الراحة في إني فهمت إني كنت أكبر بكتير من إنك تستوعبني. أنت كنت محتاج واجهة لأنك من جوه فاضي، لكن أنا كنت الاساس.. والأساس لما بيتشال، البيت بيقع على صاحبه مشي وساب وراه ريحة الخسارة، وأنا لفت لبابا
وضميته. ال ٥٠ ألف جنيه اللي بدأوا الحكاية، مكنوش مجرد فلوس، دول كانوا اختبار للنفوس.. والنفوس اللي بتتشري بالفلوس، بتبور بأول ريحة للغدر.
خرجت البلكونة، بصيت للسما وأنا حاسة إني حرة.. خيوط الصمت اتقطعت، والنهاردة بس بدأت روايتي الحقيقية.. رواية عايدة اللي مبنتش حياتها على جميل حد، لكن بنتها على
النهاية