ذكرى جدتي حكايات زهرة

لمحة نيوز

مدرسة العربي "كسرت" ذكرياتي: لما "توكة" جدتي بقت تشتت انتباه الفصل!

​أول مرة "ميس ميرفت" قالت إن شعري "زحمة" ومشتت لتركيز الفصل، قالتها بالنبرة اللي المدرسين بيستخدموها لما يحبوا يغطوا على الإهانة بكلام عن "الانضباط".

​كان يوم اتنين الصبح في مدرسة "السيدة زينب الثانوية". يا دوب كنت بنزل شنطتي وبطلع الكشكول، لقيتها بصت لي من فوق النضارة وقالت: "يا جيهان، الموضة اللي أنتِ عاملاها في شعرك دي تسيبيها بره باب المدرسة.. إحنا هنا في حصة مش في فرح، وشكلك ده بيشتت زمايلك".

​شويه بنات ضحكوا.. مش كتير، بس الضحك كان كفاية إنه يوصل لوداني ويحرق دمي.

​أنا اسمي جيهان، عندي 16 سنة، وفي تانية ثانوي. وشايلة فوق كتافي هموم ميعرفهاش حد في المدرسة. أمي شقيانة في ورديات "النظافة" في مستشفى حكومي، وابن خالي "هاني" اللي عايش معانا بيجري ورا أي سبوبة في المعمار ومبتكملش. وجدتي "ستيتة" الله يرحمها، اللي سابت فراغ في البيت من 9 شهور لسه مأثر فينا كلنا.

​قبل ما تموت، كانت كل يوم حد تقعدني قدامها في الصالة وتعملي شعري "ضفاير"، وتفضل تحكي لي عن "البلد" في الصعيد، وعن ستات العيلة، وإزاي لازم راسي تفضل مرفوعة مهما كان فيه ناس عايزة تطلعني "قليلة الأدب" لمجرد إني مش عاجباهم.

​بعد ما ماتت، بقيت أعمل لنفسي الضفاير دي.. مكنتش بتطلع مظبوطة زي إيدها، بس كنت باخد وقتي فيها، كأن ملمس شعري هو الحاجة الوحيدة اللي لسه بتفكرني بحنية إيدها.

​"ميس ميرفت" كانت مدرسة اللغة العربية، وبتموت في حاجة اسمها "الالتزام". والالتزام

ده معناها إنها تحط نقرها من نقر بنات معينة، وتعلق على لبسنا وقعدتنا كأننا داخلين انترفيو لوزارة الخارجية وهي اللي هتقيمنا.

​من يومها وهي بتتصيد لي الأخطاء. لو بس عدلت ضفيرة على كتفي، توقف شرح وتبرق لي. لو حد ورايا وشوش التانية، تبص لي كأني أنا اللي بدأت الكلام. لغاية ما نقلتني في أول تختة وقالت لي: "يمكن لو ركزتي في مذاكرتك أكتر ما أنتِ مركزة في شكلك، مستواكي يتحسن".

​مع إني كنت مقفلة الدرجات في مادتها! بس ده مشفعليش عندها.

​كنت دايمًا بحط في طرف الضفيرة "توكة" معدن صغيرة لونها دهبي وفي نصها فص أزرق. كانت قديمة ومخربشة، وممكن أي حد يشوفها ميجيبش تمنها بريزة. بس التوكة دي كانت جدتي بتحطها في طرحتها كل عيد. وفي آخر مرة شفتها فيها قبل ما تدخل المستشفى، طبطبت على إيدي وحطت التوكة في كفي وقالت لي: "يا بنتي، البسي حاجة تفكرك أنتِ مين.. لما الناس تفتكر إنها هي اللي من حقها تحدد أنتِ إيه".

​بقيت ألبسها كل يوم.

​يوم الجمعة اللي الدنيا فيه اتشقلبت، "ميس ميرفت" كانت جاية مش طايقة نفسها لأن أغلب الفصل سقط في امتحان الشهر. كانت بتلف بين التخت وهي بتوزع الورق، ووقفت جنبي فجأة.

  • ​"إيه اللي أنتِ حطاه في شعرك ده؟" سألت بحدة.
  • ​قلت لها بهدوء: "دي توكة يا ميس".
  • ​"دي بتلفت النظر ومنظرها مش لايق".
  • ​"دي صغيرة جدًا ومحدش شايفها".
  • ​"أنا قلت كلمة ومترديش عليا.. دي متدخلش بيها الفصل!"

​وقبل ما أنطق بكلمة، مدت إيدها وبمنتهى العنف شدت الضفيرة من على كتفي ونتشت التوكة منها.

​الضفيرة لسعت رقبتي من قوة

الشدة، ووقفت مكاني مذهولة.

  • ​"هاتيها يا ميس لو سمحتي" قلتها وصوتي بيترعش.

​ميس ميرفت مكنش باين عليها أي ندم، بالعكس كانت متغاظة. راحت على مكتبها ورمت التوكة في "المقلمة" السيراميك اللي كانت محطوطة فوق المكتب.

​التوكة خبطت في حرف المقلمة، ونطت براها، ونزلت في الفراغ اللي بين المكتب والحيطة.. وسمعت صوت رنة مكتومة، وبعدها صوت تكسير ناعم على البلاط.

​الفصل كله سكت.. سكت تمامًا.

​وأنا واقفة مكاني، سمعت صوت آخر حاجة سابتها لي جدتي وهي بتدشدش مية حتة على الأرض.

نزلت على ركبي في الأرض بسرعة، ودموعي سبقتني. بدأت ألم الفتافيت الصغيرة.. الفص الأزرق اللي كان بيلمع في طرحة جدتي بقى فرافيت، والمعدن الدهبي اتعوج كأنه اتكسر هو كمان من القهر.

​الميس وقفت مربعة إيدها وقالت ببرود مستفز: "أهو، عشان بعد كده تسمعي الكلام.. فداكي، هاتي غيرها بـ 2 جنيه من المكتبة."

​بصيت لها وأنا لسه في الأرض، مكنتش شايفة وشها، كنت شايفة القسوة اللي في قلبها. قمت وقفت ومسحت دموعي بظهر إيدي، وصوتي طلع هادي لدرجة رعبتني أنا شخصياً:

"دي مكنتش بـ 2 جنيه يا ميس.. دي كانت الحاجة الوحيدة اللي فاضلة لي من ريحة ستّي. الحاجة اللي كانت بتطمنّي لما الدنيا بتيجي عليا.. بس تمام، حضرتك كسرتيها."

​لميت شنطتي والكل باصص لي بذهول. ميس ميرفت وشها جاب ألوان وبدأت تتهته: "أنتِ رايحة فين يا بت؟ اقعدي مكانك!"

​مردتش عليها، وطلعت من الفصل ومن المدرسة كلها. قعدت على الرصيف بره، فاتحة كفي وببص على بقايا التوكة. افتكرت كلمة جدتي: "البسي

حاجة تفكرك أنتِ مين لما الناس تفتكر إنها هي اللي من حقها تحدد أنتِ إيه."

​قفلت كفي على المكسور جامد لحد ما المعدن غرز في إيدي. في اللحظة دي فهمت إن جدتي مكنتش قصها على "التوكة" كجماد.. كان قصدها على "أصل الست" اللي جوايا. ميس ميرفت كسرت الحتة اللي بره، بس معرفتش تكسر اللي جوه.

​رجعت المدرسة تاني يوم، مكنتش لابسة توك خالص. كنت لامة شعري "كحكة" لفوق، وراسي مرفوعة لدرجة تخلي أي حد يبص لي يحس إنه صغير.

​أول ما دخلت الفصل، الميس حاولت تداري اللي عملته بزعيق ونرفزة، بس أنا كنت بصلها بابتسامة هادية.. ابتسامة حد خسر أغلى ما عنده ومبقاش يخاف من حاجة.

​لما جت توزع درجات التعبير، قالت بتريقة: "نشوف بقى الشاعرة جيهان اللي بتقلب الحصة دراما.."

سكتت فجأة وهي بتقرأ ورقتي.

​أنا مكنتش كاتبة عن الموضوع اللي طلبته.. أنا كنت كاتبة "مرثية" في التوكة المكسورة، وفي القلوب اللي بتفتكر إن "السيطرة" هي إنك تكسر خاطر عيل يتيم. كنت كاتبة كلام يوجع الحجر، كلام لو قراه حد عنده ريحة الضمير هيندم العمر كله.

​المديرة طلبتني في المكتب بعدها بساعة، وميس ميرفت كانت قاعدة وشها في الأرض. المديرة قالت لي: "أنا أسفة يا جيهان، الميس وضحت لي إنه كان حادثة غير مقصودة.. وإحنا هنجيب لك أحسن منها."

​بصيت للمديرة وقلت لها: "يا سيادة المديرة، مفيش حاجة بتعوض "الأصل".. والميس مكسرتش توكة، الميس كشفت لي إنها محتاجة تتعلم "أدب" قبل ما تدرس لنا "عربي"."

​سبتهم وخرجت، ومن يومها مفيش حد في المدرسة كلها قدر يبص في عيني بقلة ذوق.

الضفيرة مكنتش هي اللي مدياني القوة، كانت الذكرى اللي جوايا.. والذكرى مبتتكسرش.

تمت.

تم نسخ الرابط