في اكتر سنين طيشي
وقفت سلمى ورا الحيطة، نفسها مقطوع وعينيها على باب الأوضة. لحظة واحدة بس لحظة كفيلة تغيّر كل حاجة.
لكن اللي حصل بعدها كان أسرع مما تتخيل.
خلاص كفاية اختبا يا سلمى اظهري.
الصوت جه من وراها مباشرة.
اتجمدت في مكانها ببطء لفّت وشها.
كان مازن واقف، عينه فيها نظرة حادة، بس هادية بشكل مخيف.
كنتِ فاكرة إني مش هاخد بالي؟ من أول لحظة دخلتي فيها المستشفى وأنا عارف.
سلمى حاولت تتمالك نفسها أنا أنا كنت جاية أطمن على الولد وبس.
ابتسم ابتسامة خفيفة، بس مليانة سخرية الولد؟ ولا ابنك؟
سكتت ماقدرتش ترد.
قرب خطوة، صوته بقى أوطى أنا عملت تحليل تاني بنفسي مش بثق في حد.
رفعت عينيها له، قلبها بيدق بعنف.
والنتيجة؟
بص لها بثبات نفس النتيجة ابني.
سكت لحظة، وبعدين كمل بس السؤال الحقيقي انتي مين؟
سلمى بلعت ريقها، وحست إن اللحظة اللي هتهرب منها طول عمرها وصلت.
لكن فجأة
باب الأوضة اتفتح، وطلع مروان وهو بيجري
يا طنط!
وقف فجأة أول ما شافهم سوا بص لمازن، وبعدين لسلمى.
هو إيه؟ أنتم تعرفوا بعض؟
الصمت كان تقيل.
سلمى حاولت تمسك نفسها، لكن دموعها خانتها.
مازن نزل لمستوى مروان، وحط إيده على كتفه قول لي يا بطل بتحب طنط دي؟
مروان هز راسه بسرعة أوي دي بتوعدني دايمًا إنها مش هتسيبني.
الكلمة ضربت سلمى في قلبها.
مازن بص لها النظرة دي المرة دي
مش غضب
قرار.
قام وقف وقال بهدوء تمام يبقى خلاص.
سلمى استغربت خلاص إيه؟
رد بثبات هتفضلي هنا.
اتصدمت مستحيل!
مش بمزاجك بمزاجي أنا.
قرب خطوة، صوته بقى حاسم
انتي الوحيدة اللي ابني مرتاح معاها وانتي كمان الوحيدة اللي هتعيشي كل لحظة وهو محتاجك فيها.
سلمى فهمت ده مش كرم.
ده عقاب.
هتفضلي تشوفيه كل يوم تنامي وتصحى عليه بس مش من حقك تقولي كلمة واحدة تكسّر صورته عن أي حاجة.
دموعها نزلت أكتر ده ظلم
لا ده عدل.
بص لها نظرة أخيرة وقال العقاب الحقيقي مش إنك تبعدي العقاب إنك تفضلي قريبة وتشوفي كل حاجة من غير ما تلمسيها.
مروان شد في إيدها طنط مش هتمشي صح؟
سلمى نزلت لمستواه بقوة، ووشها كله دموع، بس ابتسمت
لأ يا حبيبي أنا هنا.
مازن كان واقف بيتفرج
وبهدوء شديد قال لنفسه
كده الحساب بدأ.
القصة الثانية
حاصرت مجموعة من الذئاب الحافلة لكن المفترسات لم تهاجم.
شاهد الركاب الحيوانات البرية بقلق وخوف
لكن ما حدث بعد ذلك صدم الجميع.
كانت الحافلة تسير على الطريق بثبات، ولكن بحذر، وكأنها تشعر أن هذا اليوم ليس مناسبًا للأخطاء.
كانت العجلات تتحرك ببطء فوق الثلج المتماسك، تنزلق أحيانًا على الجليد، فيسارع السائق لتعديل الاتجاه حتى لا تنحرف الحافلة.
في الخارج، كانت عاصفة شتوية حقيقية تضرب المكان.
الثلج يتساقط كجدار أبيض
داخل الحافلة، كان الجو دافئًا، لكن الركاب ظلوا بملابسهم الثقيلة، ملتفين بالأوشحة.
النوافذ مغطاة بالبخار، ونقوش الجليد تتشكل على الزجاج.
بعضهم كان ينظر إلى الخارج محاولًا رؤية الطريق
والبعض الآخر ينتظر بصمت الوصول إلى أقرب مكان مأهول.
السائق رجل في الخمسين من عمره، بوجه متعب ويدين قويتين كان يقود بتركيز شديد.
لقد سلك هذه الطرق لسنوات، ويعرف أن الشتاء لا يغفر الأخطاء
خصوصًا في طقس كهذا.
لكن فجأة ضيّق عينيه.
هناك شيء يتحرك أمامه.
في البداية، ظن أنها مجرد كتل ثلج تتحرك مع الرياح.
ثم اعتقد أنها ربما كلاب.
لكن بعد لحظة سرت قشعريرة في جسده.
لم تكن كلابًا.
مستحيل تمتم لنفسه.
بدأت الأشكال تتضح.
واحد ثم آخر ثم المزيد.
ظلال رمادية طويلة تتحرك ببطء نحو الطريق
ثم توقفت مباشرة أمام الحافلة.
ذئاب.
ليس واحدًا أو اثنين بل عشرات.
ضغط السائق على المكابح بقوة.
انزلقت الحافلة قليلًا على الجليد ثم توقفت على بعد أمتار قليلة من القطيع.
حلّ صمت ثقيل داخل الحافلة
ماذا يحدث؟ سألت امرأة بصوت خافت من الخلف.
لكن لم يجب أحد
لأن الجميع فهم.
بدأ الركاب ينهضون، يقتربون من النوافذ، يمسحون الزجاج بأكمامهم.
وفي اللحظة التالية انتشر الخوف.
ذئاب همس أحدهم.
لكن الأمر لم
بينما كانوا ينظرون للأمام، بدأت الذئاب تظهر من الجانبين ومن الخلف أيضًا.
كانت تتحرك ببطء، بصمت، خطواتها ناعمة فوق الثلج كأنها ظلال.
عيونها تلمع في الضوء الرمادي
لا تعوي لا تهجم لا تُظهر أنيابها.
فقط تحاصر الحافلة.
وكأنها تعرف تمامًا ما تفعله.
سيهاجمون قال رجل بصوت مرتجف.
أغلقوا الأبواب! صرخت امرأة.
سيكسرون النوافذ همس آخر.
السائق أمسك المقود بقوة حتى ابيضت أصابعه.
لكنه لم يتحرك فقط يحدّق للأمام.
كان هناك شيء غريب.
الذئاب لا تتصرف كالمعتاد.
لا عدوانية لا توتر
فقط انتظار.
وفجأة تقدم أحدها.
ثم آخر.
واقتربوا أكثر من الحافلة
لكنهم لم ينظروا إلى الركاب.
بل كانوا ينظرون إلى جانب الطريق.
عبس السائق وقال
لحظة
اقترب من الزجاج الأمامي.
من خلال الثلج، رأى شيئًا داكنًا على الأرض.
في البداية ظنه كومة أغصان
لكن عندما هدأت الرياح للحظة، اتضح الشكل.
إنه إنسان.
هناك شخص ملقى هناك همس السائق.
تجمّد الركاب.
يا إلهي قالت امرأة.
هل هو حي؟ سأل أحدهم.
لم يجب السائق.
كان ينظر إلى الذئاب
وفجأة فهم كل شيء.
لم تكن الذئاب تحاصر الحافلة لتهاجم.
كانت تحاصرها لتمنعها من المرور.
لتجبرها على التوقف.
لتجعل أحدًا يلاحظ ذلك الرجل الذي لم يعد قادرًا على الحركة.
اقترب أحد الذئاب ببطء من الرجل الملقى على الأرض
وتوقف بجانبه
وكأنه
هناك أنقذوه.
وفي تلك اللحظة
اجتاحت الحافلة موجة جديدة من المشاعر.
لكنها لم تكن خوفًا هذه المرة.
بل صدمة.
لقد