كسبت في اليانصيب

لمحة نيوز

ليلة الثلاثاء كانت مختلفة عن أي ليلة عدت في حياتي، كنت قاعدة لوحدي في الصالة والبيت هادي بشكل غريب، والتلفزيون شغال بصوت واطي، لكن عقلي كان في مكان تاني خالص، كنت مستنية إعلان أرقام اليانصيب اللي اشتريت تذكرته من غير ما أفكر كتير، مجرد محاولة عابرة يمكن تغير الحظ، ولما الأرقام بدأت تظهر واحدة واحدة حسيت إن قلبي بيخبط في صدري بطريقة مش طبيعية، مسكت التذكرة بإيد مرتعشة وبدأت أقارن الرقم الأول والتاني والتالت، وكل رقم كان بيطابق اللي في التذكرة لحد ما وصلت للآخر، وساعتها اتجمدت مكاني، ماكنتش قادرة أتنفس كويس، 18.6 مليون دولار… الرقم كان مكتوب قدامي بوضوح، لكن عقلي كان رافض يصدق، قعدت أبص للتذكرة تاني وتالت، وبعدين قمت بسرعة ودخلت الحمام وقفلت الباب ورايا، كأني بخبي سر خطير، بصيت لنفسي في المراية وهمست بصوت واطي: إياكي تقولي لحد يا كلير… مش دلوقتي، لأن في عيلتي الفلوس مش بس بتغير الناس، الفلوس بتكشفهم على حقيقتهم. طول عمري كنت أنا الشخص اللي يعتمدوا عليه، اللي يطلبوا منه المساعدة في أي وقت، اللي يسدد فاتورة متأخرة أو يجيب دوا أو يسلف مبلغ صغير ويرجع بعده بشهور أو مايرجعش خالص، وكنت دايماً بقول لنفسي إن العيلة أهم من أي حاجة، وإن الوقوف جنب بعض واجب، لكن الحقيقة اللي ماكنتش عايزة أشوفها إن الوقفة دي كانت من طرف واحد تقريباً، أنا اللي بدعم الكل، وأنا اللي بسند الكل، لكن لما كنت أنا أتعب أو أحتاج كلمة حتى، الدنيا كانت بتسكت حواليا. يمكن عشان كده لما كسبت المبلغ الكبير ده قررت

أعمل اختبار بسيط، اختبار مش عشان أجرح حد، لكن عشان أعرف الحقيقة اللي كنت حاسة بيها جوايا من زمان. تاني يوم الصبح بعت رسالة جماعية لأمي وإخواتي وجوزي، قلت فيها إني في ورطة كبيرة وإن في مبلغ لازم يتدفع بسرعة وإني محتاجة مساعدة، ماعدتش ثواني حتى ورن موبايلي، أمي ليندا كانت أول واحدة تتصل، حاولت أخلي صوتي مهزوز وأنا بكلمها وقلت لها إني خايفة ومش عارفة أتصرف، لكن السؤال الأول اللي خرج من بوقها ماكنش “إنتي كويسة؟”، كان “هببتي إيه المرة دي؟”، حاولت أشرح لها إن الظروف ضاغطة وإن الموضوع كبير، لكنها اتنهدت بضيق وقالت لي ببرود إن مش كل شوية هتلم ورايا مشاكلي وإن الأفضل إني أتصرف مع نفسي، يمكن أخلي ريان يشتغل زيادة أو أشوف أي حل، ساعتها فهمت إن المكالمة خلصت قبل ما تبدأ، شكرتها وقفلت، لأني اتعودت طول عمري إني أقفل الكلام بهدوء حتى لو قلبي موجوع. بعدها بشوية رجع ريان البيت عشان الغدا، كنت قاعدة قدامه على السفرة وحاطة قدامي ظرف فاضي وورقة إنذار مزيفة طبعتها من الإنترنت، وريته الورقة وقلت له بهدوء إن الحساب متأخر وإن ممكن يساعدني الشهر ده، بص للورقة وبص لي بعدها بنظرة ضيق كأن الموضوع كله ذنبي أنا، وقال إن ده شغلي أنا لأن الحسابات مسؤوليتي، وإن ماينفعش أرمي الحمل عليه فجأة، واقترح ببرود إني أسأل أمي أو أخويا أو أي حد تاني، كأننا مش شركاء في الحياة أصلاً، كأن المشكلة تخصني أنا لوحدي، وبعدها قام كأنه خلص من موضوع مزعج. الرسائل بعدها بدأت توصل من إخواتي، ديريك كتب لي ببساطة إني أبيع عربيتي
وأبطل دراما، وميغان اكتفت بإيموجي ساخر وبعدها اختفت، ساعتها حسيت إن صدري بيضيق مش بسبب الفلوس، لكن بسبب الحقيقة اللي اتكشفت قدامي فجأة، الحقيقة اللي بتقول إن مكاني عندهم مش مكان أخت أو بنت أو زوجة، مكاني كان مجرد شخص مفيد طول ما بيدفع أو بيساعد. خرجت من البيت وسقت عربيتي من غير ما أحدد وجهة، لحد ما وقفت في باركينج سوبر ماركت كبير، كنت عايزة أقعد لوحدي شوية بعيد عن كل الكلام ده، عملت نفسي إن العربية فيها مشكلة وقعدت جوهها، الشمس كانت بتغيب ببطء والباركينج شبه فاضي، وموبايلي كان ساكت بعد الرسائل الباردة اللي وصلتني. فجأة جت رسالة جديدة من اسم ماكنتش متوقعة يظهر، إيثان، ابن عمي الصغير اللي أغلب العيلة بتنساه في المناسبات، كتب لي يسألني أنا فين وقال لي ما أشرحش حاجة، بس أبعت له مكاني وهو جاي، بعت له اللوكيشن من غير تفكير، وبعد دقيقتين بس اتصل بيا وقال بصوت لاهث إنه قريب وهيبقى عندي خلال خمس دقايق، ولأول مرة من بداية اليوم حسيت إن في حد فعلاً مهتم يعرف أنا فين. رفعت عيني من الموبايل وبصيت حواليا، وفي اللحظة دي شفت عربية ريان داخلة الباركينج ببطء، بتمشي بين الصفوف كأنه بيدور على حد، قلبي شد شوية، ماكنتش عارفة هو جاي عشان يساعد ولا جاي يتأكد إني مش بعمل حاجة من غير ما يعرف، وبعد لحظات وقف بعيد شوية ونزل من العربية وبص حواليه. بعد أقل من دقيقة ظهرت عربية تانية ودخلت بسرعة نسبية ووقفت قريب مني، الباب اتفتح وطلع إيثان وهو بيجري ناحيتي، خبط على الشباك بقلق وسألني إذا كنت كويسة،
فتحت الباب ونزلت، ماكنتش محتاجة فلوس منه، لكن مجرد حضوره خلاني أحس إن اليوم مش كله قاسي. في اللحظة دي قرب ريان مننا وهو باصص لإيثان باستغراب واضح وسأل بنبرة حادة هو بيعمل إيه هنا، وإيثان رد ببساطة إنه جه لما عرف إن في مشكلة، الجو اتوتر شوية، لكني رفعت إيدي وقلت لهم يهدوا لأن الموضوع أكبر من مجرد نقاش في باركينج. بصيت لريان وسألته بهدوء إذا كان جاي يساعد فعلاً ولا بس عشان يتأكد أنا بعمل إيه، سكت لحظة وماعرفش يرد بسرعة، وده كان جواب كفاية بالنسبة لي. بعدها قررت إن الوقت جه أقول الحقيقة، طلعت التذكرة من شنطتي ووريتهالهم، الأول ماحدش فهم، لكن لما شرحت لهم إن الأرقام اللي فيها كسبت الجائزة الكبرى وإن كل الكلام عن الورطة كان مجرد اختبار، ساد صمت تقيل في المكان، ريان كان مصدوم، وإيثان كان واقف ساكت مش مصدق اللي بيسمعه. قلت لهم بهدوء إن الفلوس دي غيرت حاجة واحدة بس قبل ما أصرف منها ولا دولار، غيرت نظرتي للناس حواليا، خلتني أشوف مين اللي ممكن يقف جنبي لما أحتاجه ومين اللي يختفي، وإن أكبر مكسب حصلت عليه ماكانش الرقم المكتوب على التذكرة، أكبر مكسب كان اللحظة اللي عرفت فيها إن في شخص واحد على الأقل سمع كلمة “أنا محتاجة مساعدة” وجري بدون ما يسأل عن التفاصيل، ومن اللحظة دي فهمت إن قيمة الإنسان مش في الفلوس اللي معاه، لكن في الناس اللي بتظهر جنبه لما الدنيا تضيق، والفلوس مهما كانت كبيرة تفضل مجرد رقم، لكن الشخص اللي يقف جنبك بصدق هو الجائزة الحقيقية اللي ما بتتكرر كثير في الحياة.

تم نسخ الرابط