اكتشفت اني أمي كانت عايشة مشردة

لمحة نيوز

توقفت عن الكلام مع ماما لمدة سنتين عشان اكتشفت إنها كانت عايشة كالمشردة، رغم إني كنت بابعثلها 500 دولار كل شهر. كنت فاكر إنها بتدي فلوسي لصاحبتها أو بتصرفها على البينغو. ولما شركتي أفلس وفقدت كل حاجة، مدتلي علبة بسكويت صدئة وثقيلة جدًا.
كنت راجل أعمال ناجح (أو على الأقل كنت كده). من أول ما بدأت أكسب كويس، كنت بابعثلها راتب شهري سخّي عشان تعيش حياة فاخرة. ومع كده، كل مرة بروح أشوفها ألاقيها لابسة نفس الملابس القديمة، نفس المعطف المهترئ اللي عندها من عشرين سنة، وبتاكل شوربات جاهزة. بيتها كان مهمل. وفي يوم انفجرت.
“ماما، ده مستحيل!” صرخت في المطبخ. “إنتي بتعملي إيه بالفلوس دي؟ بتديها لصحابك العاطلين؟ بتضيعها على مين؟ أنا بابعثلِك الفلوس عشان تعيشي حياة كويسة، مش عشان تعيشي في البؤس! لو هتفضلي عايشة كده، مش هبعتلك أي حاجة تاني!”
حاولت تشرح، بس كنت معصب أوي. حسّيت إني مستغل. قطعت الدعم وبطلت أروح لها. افتكرت إنها هتعرف تقدّر اللي عملته.
بعد سنتين، حياتي انهارت. استثمار فاشل، قضية قانونية، وأزمة في السوق خلت شركتي تفلس. البنوك استولت على البيت، العربية، وحساباتي. لقيت نفسي من غير فلوس، من غير صحاب (اللي كانوا اختفوا لما الفلوس خلصت). محطم الكبرياء، شايل شنطة صغيرة فيها هدومي القليلة اللي فاضلة، رجعت لبيت ماما. ماكانش عندي مكان تاني أروحله. كنت متوقع أسمع “مش قلتلك؟” أو لوم على غيابي.
فتحت الباب. شافتني نحيف، وسخ، ويائس. ماقالتش كلمة. عملتلي كباية قهوة سخنة وخليتني أقعد على نفس الترابيزة القديمة. بعدين راحت لخزانتها وطلعت علبة بسكويت معدنية

زرقا قديمة—اللي الجدات بيخزنوا فيها أدوات الخياطة. حطتها على الترابيزة. كانت تقيلة.
“افتحها”، قالت.
رفعت الغطا. مكنش فيها أي خيوط، بس كانت مليانة فلوس ورقيات، إيصالات ودائع ثابتة، وكمان شوية عملات دهب.
“ابني”، قالت وهي ماسكة إيدي بلطف. “من أول ما بعتلك الفلوس، كنت خايفة. كنت عايشة وأنا عارفة إنك عايش بسرعة كبيرة. بتشتري حاجات غالية، بتسافر، بتصرف… كنت عارفة—لأني مامتك—إن يومًا هيجي يحاسبك على ده. كنت عارفة النهار ده هيجي.”
قفلت وأنا بأعد الفلوس. كل حاجة كانت موجودة. كل سنت بعتهالها على مدار السنين. ماصرفتش حاجة منها. كانت عايشة على معاشها القليل، بتصلح هدومها، بتاكل بتواضع، وبتدخر فلوسي “للاحتياط بس.”
“أنا عشت حياتي خلاص يا حبيبي. مش محتاجة الفخامة. بس كنت عارفة إنك هتحتاج مظلة.”
العلبة دي كانت فيها كفاية لسداد ديوني العاجلة ولبداية مشروع صغير من الصفر. كنت بحكم عليها بالبخل و”الإسراف”، وفي الحقيقة كانت بنك الأمان بتاعي—على حساب راحتها.
بكيت على العلبة دي زي ما عمري ما بكيت قبل كده. حضنتني وقالت:
“الفلوس بتيجي وتروح يا بني. بس باب الأم دايمًا مفتوح—بفلوس أو من غير فلوس.”
التأمل اللي تاخده معاك: حدس الأم هو أقوى تأمين في الحياة. ساعات بننتقد أمهاتنا عشان “قديمات” أو “موفّرات أوي”، أو بنعصب لأنهم مش عايشين الحياة بالسرعة اللي احنا عايشينها. بس هم بيشوفوا المستقبل بعين الخوف على ولادهم. وأنا كنت بصرف على المظاهر، وهي كانت بتجمع الأمان. اختارت تبين فقيرة في عينيّ عشان أكون غني بالحقيقة. متستهونش أبدًا بخطة الأم البديلة—غالبًا هي الحاجة
الوحيدة اللي بتفضل لما الخطة الأولى تفشل.

بعد ما خلصت ماما كلامها، قعدت ساكت شوية وبصيت حواليّا البيت القديم. الريحة العتيقة، صوت الساعة اللي في الصالة، الترابيزة اللي عليها كوبايات وصحون قديمة، كل حاجة فيها ذكريات. فجأة حسّيت بشيء غريب في قلبي، خليط من الندم والحب والامتنان. أنا اللي كنت فاكرها ضعيفة وفاقدة للبوصلة، وهي في الحقيقة كانت أقوى مني كتير. طول حياتي كنت بحكم على الناس بالفلوس والمظاهر، وهي علمتني درس أكبر من أي استثمار أو شركة ربحتها.
ماما قعدت جنبي، ماسكة إيدي وقالت: “يا ابني، اللي حصل ده مش عيب. الغلط مش منك بس. كلنا بنتعلم من الحياة بطريقتنا. المهم دلوقتي نفكر إزاي نبدأ من جديد.”
كنت حاسس إني خايف، مش من الفشل، لكن من البداية من الصفر. كل يوم كنت بصحى أفكر في المشاريع اللي خسرتها، العملاء اللي مش موجودين، البنك اللي بيلاحقني. بس عشانها، حسيت إن في شعاع أمل صغير. العلبة دي مش مجرد فلوس، كانت رسالة: الحياة مستمرة مهما اتكسرت.
في اليومين اللي بعد كده، قعدت أنا وماما نخطط. قسمنا الفلوس على الأولويات: الأول سداد الديون الضرورية، تاني مشروع صغير جدًا أقدر أبدأه، تالت توفير بسيط للطوارئ. ماما كانت بتقولي: “ابني، مش لازم نبدأ بحاجة كبيرة. المهم خطوة واحدة صح.”
بدأت أفكر في الناس اللي كانوا حواليّا قبل كده—اللي اختفوا لما خلصت فلوسي، واللي كانوا فاكرين إنهم أصحاب. كنت حاسس بالغربة لوحدي، لكن ماما كانت موجودة. كانت الحنية، الحكمة، والأمان كله في شخص واحد. ومن اللحظة دي، فهمت معنى كلمة “بيت الأم”. مش بس مكان، لكن حضن، خطة، أمان،

درس مستمر.
الأيام اللي بعد كده كانت صعبة. كنت بصحى بدري، أشتغل مشروع صغير بمواردي القليلة، وأتعلم من أخطائي. كل مرة كنت حاسس بالإحباط، كنت باخد تليفون وأروح لماما، نعمل قهوة سوا، ونتكلم عن أي حاجة. نصايحها كانت زي سلاح، زي خريطة طريق، وهدوءها كان بيطمنني.
وفي لحظة، بعد حوالي سنة، المشروع الصغير بدأ يجيب ربح بسيط. مش ثروة، لكن شعور النجاح كان مختلف خالص. كنت فاكر إني هفرح بالفلوس بس، لكن الفرحة الحقيقة كانت إن حياتي اتعلمت تعيد ترتيب نفسها، وإن ماما كانت معايا طول الوقت.
في يوم، وأنا قاعد أرتب أوراق المشروع، ماما دخلت ومعاها طبق شاي وابتسامة: “ابني، افتكر دايمًا، الفلوس ممكن تخلص، لكن العيلة، الحب، والتخطيط الصح هما اللي بيفضلوا.” حسّيت بشعور غريب، دموعي نزلت، بس المرة دي دموع امتنان حقيقي، مش ضعف.
اتعلمت حاجة مهمة جدًا: الحياة ممكن تنهار في أي لحظة، والشخص اللي فاكرينه ضعيف ممكن يكون أقوى سند ليك. المظاهر ممكن تخدع، والفهم السريع ممكن يكون غلط. وأهم حاجة، الأمان الحقيقي مش في الفلوس، لكنه في الناس اللي بيحبّوك بصدق، اللي بيتصرفوا بحكمة، واللي عارفين يشوفوا قدامك ما تقدرش تشوفه.
بعد كده، كل ما أشوف ماما، بحس بالسلام الداخلي. وأحيانًا لما بحكي لأي حد عن القصة دي، بحس إن الدرس اللي اتعلمته يستاهل إنه يتسمع: متستهونش بأمك، ولا بحنيتها، ولا بخططها اللي ساعات بتكون سر نجاة من غير ما تعرف.
وفي النهاية، علّمتني تجربة السنين دي إن الرجولة مش بس فلوس وشركات، الرجولة كمان صبر، امتنان، وقدرة على الاعتراف بالغلط والتعلم منه. وأهم حاجة: باب الأم
دايمًا مفتوح مهما حصل.

تم نسخ الرابط